فهرس الكتاب
ج / 10 ص -18- وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُرْشِدِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي حُصُولَ الْقَبْضِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ كَذَلِكَ فَجَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ مِنْ يَدَّعِي حُصُولَ الْقَبْضِ فِي الْقِسْمَيْنِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى غَلَطٍ مِنْ النُّسْخَةِ سَقَطَ مِنْهَا عَدَمُ مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا، وَمِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِابْنِ الرِّفْعَةِ، وَلَيْسَ فِي الْمُرْشِدِ تَعْلِيلٌ يُرْشِدُ إلَى الْمَعْنَى، فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْوَهْمُ لِابْنِ الرِّفْعَةِ، وَهَذِهِ مِنْ آفَةِ الْكُتُبِ الْمُخْتَصَرَةِ.
وأما الِانْتِصَارُ فَوَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى الصَّوَابِ وَتَعْلِيلُهُ يُرْشِدُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَقْوَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، لَكِنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَ صَاحِبِ الْمُرْشِدِ عَلَى مَا وَجَدَهُ قَالَ: وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي السَّلَمِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، قَالَ: وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ وَطَرَدَهُ فِيمَا إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ. وَادَّعَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ أَوْ غَصَبَهُ
قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بِجِنْسِهَا أَوْ مَا يُشَارِكُهَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا التَّحْرِيمُ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَهَذَا الْأَصْلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ"لَفْظُ مُسْلِمٍ رحمه الله تعالى: فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى"لَفْظُ مُسْلِمٍ أَيْضًا، وَمِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عُمَرُ رضي الله عنه"الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَا وَهَا"الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ"الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ، وَمَنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ."
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ صَدَّرَهُ بِالنَّهْيِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه صَدَّرَهُ بِالْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ بِالرِّبَا ثُمَّ اسْتَثْنَى وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَالْمَشْرُوطُ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ نَافِعَةٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الرِّبَا، كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، وَالْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ وَتَعَارُضِ الْمَأْخَذِ إذَا تَسَاوَتْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فِي الْأُمِّ بِأَنَّ الْأَصْلَ ذَلِكَ وَيُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجَوَازُ لِانْدِرَاجِهِ فِي جُمْلَةِ الْبَيْعِ، وَيَجْعَلُونَ عُقُودَ الرِّبَا وَسَائِرَ مَا نَهَى عَنْهُ مُخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَيُؤَوَّلُ تَحْقِيقُ بِحَثِّهِمْ إلَى أَنَّ عَقْدَ الرِّبَا اشْتَمَلَ عَلَى وَصْفٍ مُفْسِدٍ فَهُوَ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الَّتِي اقْتَرَنَ بِهَا مَا يُفْسِدُهَا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنَقْلِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عِنْدَ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخِلَافِيِّينَ الشَّرِيفُ