فهرس الكتاب

الصفحة 3326 من 4102

ج / 10 ص -20- وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَخَبَرِ عُبَادَةَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِثْبَاتِ فَقَطْ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَلْفَاظُهُمَا بِذَلِكَ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، وَاللَّفْظُ الَّذِي فِيهِ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ فِيهِ زِيَادَةٌ، عَلَى مَا فِيهِ إثْبَاتٌ فَقَطْ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ النَّهْيَ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِي مَعْنَى كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ النَّهْيُ عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ، وَإِيجَابُ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ مَمْنُوعٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا، وَفِيهِمَا تَعْطِيلٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِ الْكَلَامِ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا فَمَنْ أَتْقَنَهَا وَأَتْقَنَ تَحْقِيقَ الْعِلَّةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، وَهَلْ الْجِنْسُ وَصْفٌ فِي الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٌ فِيهَا أَوْ مَحَلٌّ لَهَا؟ وَحَقَّقَ النَّظَرَ فِي الْأَجْنَاسِ، فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَمْعَنْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ، وَسَوْفَ أَعُودُ إلَيْهَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَأُنَبِّهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَرْتُ إلَيْهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحِلِّهِمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَائِدَةٌ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى - أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَقَدَّمَ نَقْلُهَا فِي الْمَجْمُوعِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَمْ تَتَقَدَّمْ حِكَايَتُهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُنَبِّهَ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْآيَةِ مِنْ قَبِيلِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا خُصُوصَ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ إلَّا وَهُوَ حَلَالٌ.

وَهَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ تَسْمِيَةَ شَيْءٍ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ بَيْعًا، وَيَقُولُونَ: إنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ الِاسْمِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ إلَّا مَجَازًا. حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ. فَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى لِلْحَنَفِيَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَدَّعُونَهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

فَائِدَةٌ أُخْرَى: تَقَدَّمَ فِي كَلَامِي تَوَقُّفٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] عَلَى تَخْصِيصِ الْبَيْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَدْلُولِ الرِّبَا فَقَالَ ابْنُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ: حَقِيقَةُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الزِّيَادَةُ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ خَاصَّةً لقوله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: من الآية5] وَالْأَرْضُ إنَّمَا تَرْبُو فِي نَفْسِهَا لَا فِيمَا يُقَابِلُهَا وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْمُقَابِلِ إلَّا مَجَازًا. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ حَتَّى يَسُدَّ بَابَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَبِيهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] "هُوَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الرِّبَا فِيهِمَا عَدَا الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إنَّهُ وَإِنْ وُضِعَ لِلزِّيَادَةِ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ يُقَابِلُهُ عُرْفًا وَيَكُونُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ فِي الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ. وَمَالَ آخَرُونَ إلَى انْطِلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ انْطِلَاقًا مُتَسَاوِيًا. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ بَيْعٍ مُحَرَّمٍ. وَأُضِيفَ هَذَا الْمَذْهَبُ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها لَأَجْلِ قَوْلِهَا:"لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَشَارَتْ إلَى أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا كَانَ رِبًا. وَأُضِيفَ أَيْضًا إلَى عُمَرَ رضي الله عنه لِقَوْلِهِ: إنَّ مِنْ الرِّبَا بَيْعَ التَّمْرِ وَهِيَ مُعْصِفَةٌ قَبْلَ أَنْ تَطِيبَ، وَيَحْتَجُّونَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الرِّبَا عَلَى النَّسِيئَةِ فِي الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً وَإِنْ كَانَ التَّفَاضُلُ جَائِزًا حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ الْمَالِكِيُّ. فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ دَاوُد لَا يَكُونُ الرِّبَا دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهِ، بَلْ يَكُونُ وَارِدًا عَلَى رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ. وَهُوَ أَنْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت