فهرس الكتاب
ج / 10 ص -21- يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ قَضَاهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ وَزَادَهُ الْآخَرُ فِي الْأَجَلِ.
وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الرِّبَا لِلْعَهْدِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ أَوْ تَوْهِينِهِ، وَلَكِنْ غَرَضِي أَنَّ تَخْصِيصَ قَوْلِهِ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: من الآية275] بِهَا لَا يَسْلَمُ مِنْ نِزَاعٍ بِخِلَافِ تَخْصِيصِهِ بِالنَّسِيئَةِ. وَهَكَذَا فَعَلَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه قَالَ فِي الْأُمِّ: أَصْلُ الْبُيُوعِ كُلِّهَا مُبَاحٌ إذَا كَانَتْ بِرِضَا الْمُتَبَايِعَيْنِ الْجَائِزَيْ الْأَمْرِ فِيمَا تَبَايَعَا، إلَّا مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَرَّمٌ بِإِذْنِهِ دَاخِلٌ فِي الْمَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَمَا فَارَقَ ذَلِكَ أَبَحْنَاهُ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ إبَاحَةِ الْبَيْعِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ا هـ، فَجَعَلَ الْمُخَصِّصَ هُوَ السُّنَّةُ فَحَسْبُ.
وَمِمَّنْ مَالَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّبَا كُلُّ بَيْعٍ فَاسِدٍ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ. وَقَالَ: إنَّ الْآيَتَيْنِ يَعْنِي قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] اقْتَضَيَا كِتَابَ الْبُيُوعِ كُلَّهُ عَلَى الشُّمُولِ دُونَ التَّفْصِيلِ، وَفَصَّلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: قِيلَ الرِّبَا فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمُقَابَلَةِ عِوَضٍ بِعِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُلِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ حَالَةَ الْعَقْدِ، أَوْ تَأَخَّرَ فِي الْبَدَلَيْنِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا.
قلت: وَهَذَا حَسَنٌ فِي تَعْرِيفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَمْ مَجَازًا.
فَصْلٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ إلَى هَذَا الْمَكَانِ، اقْتَضَى قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الرِّبَوِيَّ بِجِنْسِهِ حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَإِذَا بَاعَهُ بِمَا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ حَرُمَ النَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ فَقَطْ، وَأَنَّ الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ جِنْسَانِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ مِنْهَا مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ وَاحِدًا وَاحِدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا إذَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا أَوْ صَاعِ قَمْحٍ بِصَاعَيْنِ، أَوْ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَيُسَمَّى رَبَا الْفَضْلِ، لِفَضْلِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَرِبَا النَّقْدِ فِي مُقَابَلَةِ رِبَا النَّسِيئَةِ. وَإِطْلَاقُ التَّفَاضُلِ عَلَى الْفَضْلِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ. فَإِنَّ الْفَضْلَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَقَدْ أَطْبَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ النَّسَاءِ، وَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ نَقْدًا فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما إبَاحَتُهُ، وَكَذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَعَ رُجُوعِهِ عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه وَفِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ مُحْتَمَلٌ. وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَأَمَّا التَّابِعُونَ فَصَحَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَفُقَهَاءِ الْمَكِّيِّينَ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهُ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَانْتِدَابُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِتَبْيِينِ رُجُوعِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالتَّشَوُّفِ إلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَهَا أَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أُبَيِّنُ مَا رُوِيَ مِنْ الْآثَارِ عَنْ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ. ثُمَّ مَا رُوِيَ مِنْ رُجُوعِ مَنْ رَجَعَ عَنْهُ.