فهرس الكتاب
ج / 10 ص -104- أَنْ يَتُوبَ. فَقَالَتْ لَهَا: أَرَأَيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ مِنْهُ إلَّا رَأْسَ مَالِي؟ قَالَتْ:"فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ". وَهَذَا إسْنَادٌ1.
وَحُجَّةُ الْمُخَالِفِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ"انْفَرَدَ أَبُو دَاوُد عَنْ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ بِتَخْرِيجِ2 هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَطَّابِيُّ فِي كَلَامِهِ عَنْ السُّنَنِ هَذَا الْبَابَ بِالْجُمْلَةِ الْكَافِيَةِ.
وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ الْعِينَةَ هُوَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ. قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَى بِحَضْرَةِ طَالِبِ الْعِينَةِ سِلْعَةً مِنْ آخَرَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقَبَضَهَا ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ طَالِبِ الْعِينَةِ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذِهِ أَيْضًا عِينَةٌ، وَهِيَ أَهْوَنُ مِنْ الْأُولَى، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَسُمِّيَتْ عِينَةً بِحُصُولِ النَّقْدِ لِصَاحِبِ الْعِينَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ هُوَ الْمَالُ الْحَاضِرُ فَالْمُشْتَرِي إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِيَبِيعَهَا بِعَيْنٍ حَاضِرٍ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ نَقْدِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الْهَرَوِيِّ وَجَعْلُهُ اسْمَ الْعِينَةِ يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ. مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْعِينَةَ اسْمًا لِلثَّانِي فَقَطْ، وَيُسَمِّي الْأَوَّلَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ شِرَاءَ مَا بَاعَ وَهَذَا صُنْعُ الْحَنَفِيَّةِ وَعِبَارَتُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْعِينَةُ السَّلَفُ، وَعِينَةُ كُلِّ شَيْءٍ خِيَارُهُ قَالُوا: وَيُقَالُ: أَعْيَانٌ إذَا اشْتَرَى بِالْعِينَةِ وَإِذَا أَسْلَفَ، وَأَنْشَدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أيدان أَمْ لعيان أَمْ تنْبَرِي لَنَا فهي مِثْلُ حَدِّ السَّيْف ِهزت مَضَارِبُهْ
وَيُصَحِّحُ الْحَنَفِيَّةُ الثَّانِيَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالْعِينَةِ دُونَ الْأَوَّلِ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَجْعَلُ اسْمَ الْعِينَةِ شَامِلًا لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الْهَرَوِيُّ3 وَكَذَلِكَ إطْلَاقُ أَصْحَابِنَا وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْمَالِكِيُّونَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وتقويم العبارة هكذا"وهذا إسناد حسن"إلا أن أبا الحسن الدارقطني الذي روى هذا الحديث يعقب عليه بقوله: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، وأخرجه أيضا أحمد في"مسنده"عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته قال في"التنقيح"إسناده جيد وإن كان الشافعي لا يثبت مثله عن عائشة وكذلك الدارقطني وفيه نظر. انتهى (ط) .
2 قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في"معجمه الكبير"وأحمد في"مسنده"عن ابن عمر أيضا بلفظ:"إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"ومن هنا لم ينفرد به أبو داود من بين أصحاب الكتب مطلقا وإن كان يصدق عليه قول الإمام السبكي أنه انفرد به من بين الستة. (ط) .
3 قال في"اللسان": العينة خيار الشيء، وقال: واعتان الرجل إذا اشترى الشيء نسيئة وعينة الخيل جيادها وقال وعينة قبيحة وهي الاسم وذلك إذا باع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم اشتراها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، وقال ابن الأثير في"النهاية": وفي حديث ابن عباس:"إنه كره العينة"هو أن يبيع من=