فهرس الكتاب
ج / 10 ص -105- وَالِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ"النَّهْيِ عَنْ الْعِينَةِ"حَسَدٌ يَكُونُ مِنْ جِهَتِهِمْ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيِّ، وَاسْمُهُ إِسْحَاقُ بْنُ أَسِيدٍ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ فِيهِ: شَيْخٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَلَا يُسْتَقَلُّ بِهِ. وَعَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: هُوَ مَجْهُولٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَهَالَةُ الْحَالِ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ1 فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي فِي السُّنَنِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ. قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ جَهَالَةُ الْعَيْنِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَ كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ الْآخَرِ بِهِ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ بِاعْتِرَاضَاتٍ منها: أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَتَغْلِيطَهَا فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفٌ ومنها: أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّأْجِيلِ بِالْعَطَاءِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تَذْهَبُ إلَى جَوَازِ الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ ومنها: أَنَّهَا تُثْبِتُ جِهَةَ الْمَنْعِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّبَا لَمَّا اسْتَشْهَدَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} [البقرة: من الآية275] وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَبَقِيَّةُ مَا قَالُوهُ مَمْنُوعٌ، وَقَدْ سَلَّمُوا بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْجَوَازُ.
قَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ: إلَّا أَنَّ تَرْكَهُ وَاجِبٌ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ وُجُوبٌ بِالذَّرَائِعِ وَالْقَوْلُ بِالذَّرَائِعِ أَسْهَلُ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْجَزَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَوَجْهُ الذَّرِيعَةِ فِيهَا هُوَ أَنَّ الْبَائِعَ دَفَعَ مِائَةً نَقْدًا لِيَأْخُذَ مِائَةً وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، وَذِكْرُ السِّلْعَةِ وَالتَّبَايُعِ لَغْوٌ، وَهَذِهِ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ الْعِينَةِ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَتَبِيعُ لِي هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأَنَا أُرْبِحُكَ دِينَارًا؟ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيُحَصِّلَ مِنْهُ قَرْضَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ بِأَحَدَ عَشَرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِالْبَائِعِ إلَى السِّلْعَةِ وَإِنَّمَا تَذَرَّعَ بِهَا إلَى قَرْضِ ذَهَبٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِذَا وَجَدْنَا فِعْلًا مِنْ الْأَفْعَالِ يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَلَا يَخْتَلِفُ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ فَاعِلِهِ وَالْقَصْدِ وَكَانَ ظَاهِرُهُ وَاحِدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا طَرِيقٌ إلَى تَمْيِيزِ مَقَاصِدِ النَّاسِ وَلَا إلَى تَفْصِيلِ قُصُودِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، وَجَبَ حَسْمُ الْبَابِ وَقَطْعُ النَّظَرِ إلَيْهِ فَهَذَا وَجْهُ بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الذَّرِيعَةِ قَالُوا: فَإِنْ سَلِمَ لَنَا هَذَا الْأَصْلُ بَنَيْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ نُقِلَ الْكَلَامُ إلَيْهِ هَذَا مَا عَوَّلَتْ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ.
وَالنِّزَاعُ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ مَشْهُورٌ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ وَافَقُونَا كَمَا ظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى عَدَمِ إنَاطَةِ الْأَحْكَامِ بِالْمَقَاصِدِ، وَوُجُوبِ رَبْطِهَا بِمَظَانَّ ظَاهِرَةٍ فَقَدْ يُوجَدُ الْقَصْدُ الْفَاسِدُ فِي عَقْدٍ نَتَّفِقُ نَحْنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراها إلى أجل ممسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذا أيضا عينة وهي أهون من الأولى، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة لأن العين هو المال الحاضر من النقد والمشتري إنما يشتريها بعين حاضرة تصل إليه.
1 كان في الطبعات السابقة سريح وصوابه شريح وهو ابن يزيد الحضرمي أبو العباس الحمصي.