فهرس الكتاب
ج / 10 ص -106- وَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ وَقَدْ يُعْدَمُ الْقَصْدُ الْفَاسِدُ فِي عَقْدٍ يَحْكُمُونَ هُمْ بِفَسَادِهِ، وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِالْفَسَادِ احْتِكَامٌ بِنَصْبِ شَيْءٍ مُفْسِدٍ، وَذَلِكَ مَنْصِبُ الشَّارِعِ لَيْسَ لِآحَادِ الْفُقَهَاءِ اسْتِقْلَالٌ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الرُّجُوعُ إلَى الْمَقَاصِدِ الْخَفِيَّةِ جَائِزًا اتِّفَاقًا فَالْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ عَلَى ظَوَاهِرِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَدَمُ الْأَحْكَامِ بِأَمْرٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْإِطْنَابِ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشِبْهِهَا بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ أَتَمْرُ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ قَالَ: لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا"وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَدْ أَرْشَدَهُ صلى الله عليه وسلم إلَى الْخَلَاصِ مِنْ الرِّبَا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ الْجَنِيبِ بِالْجَمْعِ وَقَدْ أَطْنَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي فُرُوعِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالْأُولَى الَّتِي صَدَّرْنَا الْكَلَامَ بِهَا مُتَرْجَمَةٌ عِنْدَهُمْ بِبُيُوعِ الْآجَالِ. وَتَنْقَسِمُ أَقْسَامًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَفِي بَعْضِهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ الْعِينَةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَارَةً تُفْرَضُ فِي الصَّرْفِ فَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْأَجَلِ فِيهَا، وَتَارَةً تُفْرَضُ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، فَتَقَعُ تَارَةً بِدُونِ الْأَجَلِ وَتَارَةً بِالْأَجَلِ وَبَوَّبَ الْأَصْحَابُ لَهَا بَابَ الرَّجُلِ يَبِيعُ الشَّيْءَ بِأَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ فَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنْ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا جَائِزٌ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ: سَمِعْتُ الْقَاضِي أَبَا عَلِيٍّ يَقُولُ: الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا أَنَّهُ بَيْعُ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَاهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرِّبْحِ الْفَاضِلِ لَهُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي عَلَى مَا مَلَكَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، أَوْ فَضَلَ مَا بَيْنَ الْمَضْمُونِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَالْمَضْمُونِ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، وَالْإِنْسَانُ مَرَّةً يَرْبَحُ بِأَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى، وَأُخْرَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ، وَالرِّبْحُ لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ إلَّا بِعَقْدَيْنِ، فَتَعُودُ الْعَيْنُ إلَيْهِ مَعَ خُلُوصِ الرِّبْحِ لَهُ وَهَذَا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، بَلْ حَقِيقَةُ الرِّبْحِ قَصْرُ مَا يَمْلِكُ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَوْرُوثَ أَوْ الْمَوْهُوبَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، حَسُنَ أَنْ يُقَالَ رَبِحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا لَهُ فِي الشَّرَائِطِ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ الَّذِي حَكَى عَنْهُ الْقَاضِي هُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فِيمَا أَظُنُّ.
فرع: كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِعَادَةٍ أَوْ بِغَيْرِ عَادَةٍ. وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ بِالْمَنْعِ أَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً، فَيَبْطُلُ الْعَقْدَانِ جَمِيعًا، يَعْنِي لَا لِأَجْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّ الْعَادَةَ تَصِيرُ كَالْمَشْرُوطَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ: وَمَسْأَلَةُ الْعِينَةِ قَدْ عَمَّ الْعُرْفُ بِهَا بِالزِّيَادَةِ فِي النُّقُودِ، وَلَنَا وَجْهٌ فَنَقُولُ: فِي مَذْهَبِنَا إنَّ مَا يَتَقَدَّمُ الْعَقْدَ بِهَا مِنْ الْعَادَةِ الَّتِي لَوْ امْتَزَجَتْ بِالْعَقْدِ لَأَفْسَدَتْهُ، فَإِذَا تَقَدَّمَتْ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَا، فَيَتَأَكَّدُ هَذَا الْوَجْهُ مَعَ ضَعْفِهِ بِعُمُومِ الْعُرْفِ. فَأَمَّا مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ صَرِيحَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَادَةٌ وَغَيْرُ عَادَةٍ سَوَاءٌ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: إنَّ قَصْرَهُ عَلَى مَا إذَا فُرِضَ شَرْطٌ مُتَقَدِّمٌ، فَقِيَاسُ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِضَعْفِهِوأما: اعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ، يَأْبَاهُ.