فهرس الكتاب
ج / 10 ص -107- فرع: فَإِنْ فُرِضَ الشَّرْطُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ بَطَلَ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ مَحَلَّ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ، وَذَلِكَ مِنْ الْوَاضِحَاتِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ.
فرع: عَرَفْتَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا فِي الْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ ثَمَّ - عَادَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَادَةٌ فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ، وَمَسْأَلَةِ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ، وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ إطْلَاقُ الْعِينَةِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيعُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ جَازِمَةٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ قَدْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ إنَّ الشَّخْصَ إذَا بَاعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ - وَلِوَارِثِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ - أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا بَاعَ عَلَى الْيَتِيمِ شِقْصًا لَهُ شُفْعَةٌ لَا يَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ وَقَالَ هُنَا: إنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْعِ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ مَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلَيْنِ لَهُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ قَالَ: وَذَلِكَ إثْبَاتُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَبِيعِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا صَارَ إلَيْهِ الْخَصْمُ.
قُلْتُ: وَاَلَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأُمِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ"قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي مَنْعِ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ الَّذِي هُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَامٌّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا: أَنَّ مَنْ كَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَمْ يَحِلَّ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ ذَرِيعَةً إلَى إحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَفِي هَذَا مَا يُثْبِتُ أَنَّ الذَّرَائِعَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ تُشْبِهُ مَعَانِيَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْعُ الْمَاءِ إنَّمَا يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَلَفِ مَا لَا غِنَى بِهِ لِذَوِي الْأَرْوَاحِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِذَا مَنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ مَنَعُوا فَضْلَ الْكَلَأِ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله بِلَفْظِهِ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُهُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مُتَعَلَّقًا قَوِيًّا لِإِثْبَاتِ قَوْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، بَلْ لِأَنَّ الذَّرِيعَةَ تُعْطَى حُكْمَ الشَّيْءِ الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إلَيْهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لَهُ كَمَنْعِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِمَنْعِ الْكَلَأِ وَمَنْعُ الْكَلَأِ حَرَامٌ وَوَسِيلَةُ الْحَرَامِ حَرَامٌ. وَالذَّرِيعَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ، فَهَذَا الْقِسْمُ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْوَسَائِلِ مُسْتَلْزِمًا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَقْدِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْمَحُ لَهُ الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ أَوْ بِبَذْلِهِمَا، أَوْ يَمْنَعُ مَانِعٌ آخَرُ، فَكُلُّ عَقْدٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْآخَرِ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فَسَدُّ الذَّرَائِعِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ الذَّرَائِعِ وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ تَعَرُّضٌ لَهُمَا، وَالذَّرَائِعُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كَلَامُ لَفْظِهِ لَا نِزَاعَ فِي اعْتِبَارِهَا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَأَمَّا الذَّرَائِعُ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أحدها: مُعْتَبَرٌ إجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حَسَدًا وَثَانِيهَا مُلْغًى إجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سَلَمِ الْأَذِرَّةِ خَشْيَةَ الرِّبَا، وَثَالِثُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا وَخَالَفَنَا غَيْرُنَا فَحَاصِلُ الْقِصَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا انْتَهَى كَلَامُهُ.