فهرس الكتاب
ج / 10 ص -111- قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّ كَلَامَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْجُرْجَانِيِّ الْمَذْكُورُ قَدْ يُنَازَعُ بِإِطْلَاقِهِ فِي هَذَا وَقَدْ يُسَلَّمُ. وَيُقَالُ إنَّ الْوَكِيلَ يَنُوبُ عَنْ الْمُوَكَّلِ، فَإِذَا قَبَضَ فَيَدُهُ كَيَدِهِ، وَالْمُوَكِّلُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْوَكِيلِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَقُمْ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ مَقَامَ قَبْضِ الْوَكِيلِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَجْلِسِ.
قلت: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْجُرْجَانِيِّ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ فِي تَسْمِيَةِ الصَّرْفِ
قَالَ ابْنُ سَيِّدَهُ فِي الْمُحْكَمِ: الصَّرْفُ فَضْلُ الدِّرْهَمِ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ عَلَى الدِّينَارِ، وَالصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، وَالصَّرَّافُ وَالصَّيْرَفُ وَالصَّيْرَفِيُّ النُّقَّادُ، وَالْجَمْعُ صَيَارِفُ وَصَيَارِفَةٌ، دَخَلَتْ فِيهِ الْهَاءُ لِدُخُولِهَا فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْقَشَاعِمَةِ لَا لِلنَّسَبِ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ: الصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَرَأَيْتُ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الصَّرْفَ اسْمٌ لِبَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ وَالْمُصَارَفَةُ اسْمٌ لِبَيْعِ النَّقْدِ بِجِنْسِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَارِفَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمُصَارَفَةِ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ كُلَّ دِينَارٍ زَادَ بِدَرَاهِمَ، لِأَنَّ الصِّيغَةَ جَمَعَتْ الصَّرْفَ وَالْمُصَارَفَةَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ حِصَّةُ الْمُصَارَفَةِ مِنْ حِصَّةِ الصَّرْفِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: سُمِّيَ الصَّرْفُ صَرْفًا لِصَرْفِ حُكْمِهِ عَنْ أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ. وَقِيلَ لِصَرْفِ الْمُسَامَحَةِ عَنْهُ فِي زِيَادَةٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُصَارَفَةَ صَاحِبِهِ أَيْ مُضَايِقَتَهُ.
فرع: كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَأَعْطَاهُ عَشْرَةً عَدَدًا قَضَاءً لِمَا عَلَيْهِ فَوَزَنَهَا الْقَابِضُ فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا. قَالَ الْأَصْحَابُ وَالْقَاضِي وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ: كَانَ الدِّينَارُ الزَّائِدُ لِلْقَاضِي1 مُشَاعًا فِيهَا، وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا وَلَمْ يَأْخُذْهُ أَمَانَةً، وَلَيْسَ كَمَا إذَا سَلَّمَ دِينَارًا نِصْفَهُ شَائِعًا حَيْثُ يَكُونُ النِّصْفُ الْآخَرُ أَمَانَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ النِّصْفَ الزَّائِدَ بَدَلًا عَمَّا عَلَيْهِ، وَهُنَا قَبَضَهُ بَدَلًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ. وَفِي الصُّورَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنْ شَاءَ الْقَاضِي اسْتَرْجَعَ مِنْهُ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ اشْتَرَى بِهِ مِنْهُ عَرْضًا، أَوْ أَخَذَ بِهِ دَرَاهِمَ يُشْتَرَطُ قَبْضُ الدَّرَاهِمِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ ثَمَنًا لِمَوْصُوفٍ فِي ذِمَّتِهِ سَلَمًا. هَكَذَا أَطْلَقُوهُ. وَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الدِّينَارُ بَاقِيًا، فَلَوْ تَلِفَ صَارَ دَيْنًا لَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالٍ فِي السَّلَمِ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَبْضِ فِي مِقْدَارِ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ قَبْضَ الْمَوْزُونِ أَوْ الْمَكِيلِ جُزَافًا فَاسِدٌ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ الدَّافِعُ: إنَّنِي وَزَنْتهَا وَإِنَّهَا كَذَا فَقَبَضَهَا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ يَكُونُ فَاسِدًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَجِبُ تَجْدِيدُ الْقَبْضِ، وَمَحَلُّ تَحْرِيرِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 القاضي اسم فاعل قضى أي أدى ما عليه لدائنه فيكون القاضي هنا هو المعطي للعشرة عددا وكذلك في قول القاضي أبي الطيب إن شاء القاضي استرجع الخ (ط) .