فهرس الكتاب
ج / 10 ص -120- مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ الِاسْمَ فَالْأَدِقَّةُ وَالْأَدْهَانُ وَاللُّحُومُ وَالْأَلْبَانُ كُلٌّ مِنْهَا مُتَّحِدَةُ الِاسْمِ، فَهَذِهِ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَسَنَذْكُرُ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَدِقَّةِ وَالْأَدْهَانِ وَالْخُلُولِ خِلَافًا ضَعِيفًا، وَكَذَلِكَ فِي الْعَصِيرِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْأَصْلُ الْمُمَهَّدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَعَلَى هَذَا دَقِيقُ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقُ الشَّعِيرِ جِنْسَانِ وَخُبْزُ الْحِنْطَةِ وَخُبْزُ الشَّعِيرِ جِنْسَانِ وَدُهْنُ الْجَوْزِ وَدُهْنُ اللَّوْزِ جِنْسَانِ".
الشرح: هَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ لَا خَفَاءَ فِيهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَبِهِ جَزَمَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَادَّعَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ مَسْأَلَتَيْ الدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَدِقَّةَ أَجْنَاسٌ، وَالْأَخْبَازُ أَجْنَاسٌ وَكَذَلِكَ ادَّعَى الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَدِقَّةِ، وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ فِي حَرْمَلَةَ - كَلَامًا يُؤَدِّي إلَى أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي الْأَدِقَّةِ حِكَايَةُ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُصَرَّحًا بِهِ، فَلَا يُجْزَمُ بِإِثْبَاتِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَتَأَمَّلَ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ الرَّافِعِيَّ رحمه الله تعالى: نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ قَوْلًا وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ خِلَافُهُ فَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي أَنَّهَا أَجْنَاسٌ فَيُبَاعُ دَقِيقُ الْحِنْطَةِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رُطَبًا أَوْ يَابِسًا بِيَابِسٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ وُجُودُ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ ثَبَتَ الْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي بَيْعِ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ بِدَقِيقِهَا، وَخُبْزِهَا بِخُبْزِهَا، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الطَّرِيقَةَ الْجَازِمَةَ بِأَنَّ الْأَدِقَّةَ أَجْنَاسٌ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُرْضِيَةُ. وَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ غَرَضُ الَّذِي خَرَّجَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اللُّحْمَانِ إلَّا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَدِقَّةِ فَنَقُولُ: الدَّقِيقُ عَيْنُ أَجْزَاءِ الْحَبِّ وَلَكِنَّهَا مَجْمُوعَةٌ فَتَفَرَّقَتْ، وَالدُّهْنُ الْمُعْتَصَرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ وَلَكِنَّهُ فِي ظَنِّ النَّاسِ كَالشَّيْءِ الْمُحَصَّلِ جَدِيدًا وَقَدْ تَجِدُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ، كَالْمُرَادِ بِهِ مَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وأما الْأَدْهَانُ فَالْقَوْلُ الْجَمَلِيُّ فِيهَا أَنَّهَا أَجْنَاسٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ مَعَ ذَلِكَ قَوْلًا أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْعِرَاقِيُّونَ حَكَوْا ذَلِكَ عَنْ تَخْرِيجِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَزَيَّفُوهُوأما: الْقَوْلُ التَّفْصِيلِيُّ فَقَدْ قَسَّمَهَا الْأَصْحَابُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ دُهْنٌ يُعَدُّ لِلْأَكْلِ وَدُهْنٌ يُعَدُّ لِلدَّوَاءِ، وَدُهْنٌ يُعَدُّ لِلطِّيبِ، وَدُهْنٌ لَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ وَلَا لِلدَّوَاءِ وَلَا لِلطِّيبِ، فَالْأَوَّلُ الْمُعَدُّ لِلْأَكْلِ كَدُهْنِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْحُلْوِ وَالشَّيْرَجِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَدُهْنِ الصَّنَوْبَرِ وَالْبُطْمِ وَالْخَرْدَلِ وَالْحَبَّةِ الْخَضْرَاءِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا رِبَوِيَّةٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: فِيهَا وَفِي الْخُلُولِ1 قَوْلَانِ كَمَا فِي اللُّحْمَانِ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أنواع المخللات أو الطراشي.