فهرس الكتاب
ج / 10 ص -126- وَنَسَبَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا إلَى الْقَدِيمِ، وَقَدْ رَأَيْتُ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَلَكِنْ فِي آخِرِهِ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَتَوَهَّمْتُ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ نَاسِخٍ، فَرَأَيْتُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ نُسْخَةٍ، وَنَسَبَ الْمَاوَرْدِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ إلَى الْجَدِيدِ.
وَقَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ بَيْعِ اللَّحْمِ: وَالْقَوْلُ فِي اللُّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أحدهما: أَنَّ لَحْمَ الْغَنَمِ صِنْفٌ، وَلَحْمَ الْإِبِلِ صِنْفٌ، وَلَحْمَ الْبَقَرِ صِنْفٌ، وَلَحْمَ الظِّبَاءِ وَلَحْمَ كُلِّ مَا تَفَرَّقَتْ بِهِ أَسْمَاءٌ دُونَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِعَةِ صِنْفٌ. فَيُقَالُ كُلُّهُ حَيَوَانٌ وَكُلُّهُ دَوَابُّ وَكُلُّهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَهَذَا جِمَاعُ أَسْمَائِهِ كُلِّهِ، ثُمَّ يُعْرَفُ أَسْمَاؤُهُ فَيُقَالُ: لَحْمُ غَنَمٍ وَلَحْمُ بَقَرٍ وَلَحْمُ إبِلٍ، وَيُقَالُ: لَحْمُ ظِبَاءٍ، وَلَحْمُ أَرَانِبَ، وَلَحْمُ يَرَابِيعَ، وَلَحْمُ ضِبَاعٍ، وَلَحْمُ ثَعَالِبَ ثُمَّ يُقَالُ فِي الطَّيْرِ هَكَذَا: لَحْمُ كَرَاكِي، وَلَحْمُ حُبَارَيَاتٍ، وَلَحْمُ حَجَلٍ، وَلَحْمٌ مُعَاقَبٌ، كَمَا يُقَالُ: طَعَامٌ. ثُمَّ يُقَالُ: حِنْطَةٌ وَذُرَةٌ وَشَعِيرٌ، وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَيَنْقَاسُ.
وَأَطَالَ الشَّافِعِيُّ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَحْوَ وَرَقَةٍ ثُمَّ قَالَ: الثَّانِي فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُقَالَ: اللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ، كَالتَّمْرِ كُلِّهِ صِنْفٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَهُ فِي الْحِيتَانِ لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ جَامِعٌ لِهَذَا الْقَوْلِ. وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ لَزِمَهُ إذَا أَخَذَهُ بِجَامِعِ اللَّحْمِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْجَامِعُ مَعَ التَّمْرِ يَجْعَلُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الثِّمَارِ صِنْفًا. وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدِي. فَاقْتَضَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه هَذَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَإِلْزَامَهُ بِأَنْ يَقُولَ: إنَّ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْمٍ جَامِعٍ وَهَذَا يُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ اسْمٌ عَامٌّ لَا خَاصٌّ.
وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ خَاصٌّ. ثُمَّ يُقَرِّرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ بِمَا سَنَذْكُرُهُ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى بَحْثٍ لَفْظِيٍّ. فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْخَاصِّ مَا لَمْ يُوضَعْ لِمَا تَحْتَهُ مِنْ أَنْوَاعِهِ اسْمٌ بِخُصُوصِهَا، فَاسْمُ اللَّحْمِ عَلَى هَذَا خَاصٌّ وَمَا تَحْتَهُ مِنْ لَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ شَبِيهٌ بِالْمَعْقِلِيِّ وَالْبَرْنِيِّ إذْ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا اسْمٌ يَخُصُّهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ أَسْمَاءٌ صَادِقَةٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ هُوَ أَخَصَّهَا كَالْحَبِّ وَالْحِنْطَةِ فَاسْمُ اللَّحْمِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِخَاصٍّ وَأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ وَالْحَيَوَانِ وَالدَّوَابِّ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا يَصْدُقُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى اللَّحْمِ حَالَةَ كَوْنِهِ لَحْمًا.
عَلَى أَنَّ تَقْسِيمَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي قَدَّمَتْهُ آنِفًا يُشْعِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَجْرِيَ كَلَامُهُ هُنَا وَفِي الْأَدْهَانِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْأَدْهَانَ مِمَّا لَا يُوضَعُ لَهَا اسْمٌ خَاصٌّ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا حَالَةَ كَوْنِهَا دُهْنًا اسْمُ مَا اُسْتُخْرِجَتْ مِنْهُ، بَلْ تُذْكَرُ مُضَافَةً إلَيْهِ كَمَا يُذْكَرُ اللَّحْمُ مُضَافًا إلَى الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ فَإِنْ جَعَلْنَا اسْمَ اللَّحْمِ لَيْسَ بِخَاصٍّ سَهُلَ النَّظَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِثْبَاتُ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ، وَإِنْ جَلَعْنَاهُ خَاصًّا فَقَدْ وَجَّهَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي زَيْتِ الزَّيْتُونِ وَزَيْتِ الْفُجْلِ أَنَّهُمَا فَرْعَانِ لِجِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَقَوْلُهُ هُنَا: إنَّهَا فُرُوعٌ لِأُصُولٍ هِيَ أَجْنَاسٌ، فَلَمْ يَقُلْ: فُرُوعٌ لِأَجْنَاسٍ كَمَا قَالَ، وَلَا قَالَ: