فهرس الكتاب
ج / 10 ص -129- وَالْفَرْقُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ أُصُولَ الْأَدِقَّةِ وَالْأَدْهَانِ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الرِّبَا، بِخِلَافِ أُصُولِ اللُّحْمَانِ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا، وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ بِأَنَّ أُصُولَ اللُّحْمَانِ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالرِّبَا، فَإِنَّ حُكْمَ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ وَالْأَصْنَافِ فِيهَا سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ فِي الزَّكَاةِ؟ وَيَكُونَانِ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الرِّبَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَبَيَّنَ إلْغَاءُ الْفَرْقِ
والجواب عَنْ الْقِيَاسِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ لِكَوْنِهَا جِنْسًا أَنَّ جَعْلَ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الطَّلْعُ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَنْهُ، وَأَنَّ جَعْلَ الْقِيَاسِ عَلَى التُّمُورِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْقِلِيَّ وَالْبَرْنِيَّ أَصْلُ كُلٍّ مِنْهَا لَيْسَ جِنْسًا مُخَالِفًا لِأَصْلِ الْآخَرَ. لِأَنَّ أَصْلَهَا التَّمْرُ وَالرُّطَبُ وَالطَّلْعُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ أُصُولٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ اللُّحْمَانِ، فَإِنَّ لَهَا أُصُولًا مُخْتَلِفَةً، كُلٌّ مِنْهَا صِنْفٌ مُسْتَقِلٌّ فَاعْتُبِرَ بِهِ، فَقَدْ تَحَرَّرَ الْمَذْهَبُ نَقْلًا وَدَلِيلًا أَنَّ اللُّحْمَانَ أَجْنَاسٌ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَالرَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَلْبَانِ: إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى الْجَدِيدِ وَأَكْثَرِ كُتُبِهِ، وَخَالَفَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ الْمُزَنِيّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ، وَقَدْ اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا لِكَوْنِهَا أَجْنَاسًا فَقَالَ: لَا تَأْثِيرَ لِلْوَصْفِ، فَإِنَّ الثِّيَابَ الْهَرَوِيَّةَ وَالْمَرْوِيَّةَ عِنْدَهُمْ أَجْنَاسٌ، وَإِنْ كَانَتْ فُرُوعًا لِجِنْسٍ وَاحِدٍ هَذَا يُسَمَّى بِعَدَمِ التَّأَثُّرِ. وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يُعْدَمَ الْحُكْمُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ. وَقَدْ تَتَعَجَّبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِهِ اسْتَدَلَّ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَأَجَابَ عَنْ دَلِيلِهِ الْأَوَّلِ وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَا عَجَبَ، وَالسَّبَبُ الدَّاعِي لِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ - وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي الْمَذْهَبِ - فَهُوَ مَقْصُورٌ فِي الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ كَالصَّحِيحِ عِنْدَنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْخِلَافِيَّاتِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ مَعْنٍ صَاحِبُ التَّنْقِيبِ عَلَى الْمُهَذَّبِ فَقَالَ: قَوْلُهُ مُشْتَرِكٌ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ فِي أَوَّلِ دُخُولِهَا فِي الرِّبَا فِيهِ خَلَلٌ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجِنْسِيَّةِ وَعَدَمَهَا لَا يُتَلَقَّى مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَإِنَّمَا تَحْرِيمُ الرِّبَا يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ الْجِنْسِيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَإِذَا كَانَتْ أُصُولُهَا أَجْنَاسًا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهَا كَانَتْ أَجْنَاسًا إذَا دَخَلَتْ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ يَظْهَرُ جَوَابُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَاللُّحْمَانُ - بِضَمِّ اللَّامِ - وَهَلْ هُوَ جَمْعٌ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ؟ كَلَامُ ابْنِ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ جَمْعٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّحْمُ وَاللُّحْمُ لُغَتَانِ، وَالْجَمْعُ أَلْحُمٌ وَلُحُومٌ وَلِحَامٌ وَلُحْمَانٌ.
فَرْعٌ فِي ذِكْرِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَذْهَبِنَا، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ كَالصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَفَصَّلَتْ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: لُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ صِنْفٌ، وَلُحُومُ الطَّيْرِ كُلِّهِ صِنْفٌ، وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْمَاءِ كُلِّهَا صِنْفٌ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ ذَلِكَ. وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ تَقَارُبَ