فهرس الكتاب

الصفحة 3437 من 4102

ج / 10 ص -130- الْمَنْفَعَةِ وَالرُّجُوعَ إلَى الْعَادَةِ، فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ رحمه الله: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْوُحُوشُ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، لَا يَجُوزُ مِنْ لُحُومِهَا وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ، وَالطَّيْرُ كُلُّهَا صِنْفٌ إنْسِيُّهَا وَوَحْشِيُّهَا، لَا يَصْلُحُ مِنْ لَحْمِهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، وَالْحِيتَانُ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ بِلَحْمِ الْبَقَرَةِ مُتَفَاضِلًا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنَّهَا كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ اللَّحْمَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ بِلَحْمِ غَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا، وَهَلْ يَدْخُلُ لَحْمُ السَّمَكِ فِي ذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَدْخُلُ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ اسْمَ اللَّحْمِ يَقَعُ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: من الآية14] وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ لَحْمُ السَّمَكِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ اللَّحْمِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ السَّمَكِ".

الشرح: إذَا قُلْنَا: إنَّ اللُّحْمَانَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَلَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَالْوُحُوشِ كُلِّهَا وَالطُّيُورِ كُلِّهَا جَمِيعُ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ بِآخَرَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يُبَاعُ لَحْمُ الْعُصْفُورِ بِلَحْمِ الْجَمَلِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَكَذَلِكَ بَقِيَّتُهَا. وَهَكَذَا تَحْرُمُ الْبَحْرِيَّاتُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْفُورَانِيُّ: بَلْ أَوْلَى، وَلَعَلَّ الْأَوْلَوِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأُصُولِهَا حُكْمُ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، بِخِلَافِ لُحْمَانِ الْبَرِّ، فَإِنَّ أُصُولَهَا ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَأَمَّا السَّمَكُ مَعَ الْبَرِّيَّاتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْعِرَاقِيُّونَ الْخُرَاسَانِيُّونَ أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ اللُّحُومِ، وَادَّعَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله، وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْهُ قَرِيبًا - وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ فِي الْحِيتَانِ: إنَّ اسْمَ اللَّحْمِ جَامِعٌ -، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: من الآية12] وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ، وَهِيَ أَنَصُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِيهَا اللَّحْمَ عَلَيْهِ بِصَرَاحَةٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا} [فاطر:12] فَأَطْلَقَ فِيهَا مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مَعًا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّغْلِيبِ.

والثاني: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْمُصَنَّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ، وَقَالَ: إنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ اللُّحُومِ وَأَنَّهَا مَعَهَا جِنْسَانِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّهُ الْأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ، وَعَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَسُلَيْمٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ لِأَنَّ لَهَا اسْمًا أَخَصُّ مِنْ اللَّحْمِ وَهُوَ السَّمَكُ. وَحَمَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ عَلَى أَنَّهُ أَلْزَمَ مَنْ قَالَ: اللُّحْمَانُ صِنْفٌ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَلَمْ يَرْتَضِ أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا. وَحَمَلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ - وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت