فهرس الكتاب
ج / 10 ص -139- هَلْ يَصِحُّ؟ يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اللُّحْمَانِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجِلْدَ رِبَوِيٌّ، وَأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِجِلْدٍ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجِيبٌ، وَاَلَّذِي قَالَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ الْأَقْرَبُ، وَفِي شَحْمِ الظَّهْرِ مَعَ شَحْمِ الْبَطْنِ وَجْهَانِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَسَنَامُ الْبَعِيرِ مَعَ شَحْمِ ظَهْرِهِ وَشَحْمِ بَطْنِهِ جِنْسَانِ قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَلَامُ التَّهْذِيبِ صَرِيحٌ، وَلَحْمُ الرَّأْسِ وَالْأَكَارِعِ مِنْ جِنْسِ اللَّحْمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَفِي الْأَكَارِعِ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، قَالَ: إنَّ الْأَئِمَّةَ قَطَعُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا اعْتِرَاضَ فِي الِاتِّفَاقِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ أَكْلُ اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْقَصَبَةَ الْمُفْرَدَةَ لَيْسَتْ لَحْمًا، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَنَّ فِي لَحْمِ الرَّأْسِ وَالْخَدِّ وَاللِّسَانِ وَالْأَذْرُعِ طَرِيقَيْنِ أَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ بِأَكْلِهِمَا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ اللَّحْمَ، وَالثَّانِيَةُ: عَلَى وَجْهَيْنِ فَيَكُونُ مَا قَالَهُ فِي الرِّبَا جَرْيًا عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْعَظْمُ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ، الصُّلْبُ مِنْهُ وَالْمُشَاشِيُّ وَالْغُضْرُوفِيُّ، وَقَدْ عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةُ الِاسْمِ وَالْخِلْقَةِ، وَهِيَ عِلَّةٌ شَامِلَةٌ، غَيْرُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي ضَابِطِهِ إلَّا اخْتِلَافُ الِاسْمِ وأما اخْتِلَافُ الْخِلْقَةِ فَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فرع: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّحُومَ جِنْسٌ غَيْرُ اللَّحْمِ، وَفِي الشُّحُومِ نَفْسِهَا قَوْلًا كَاللَّحْمِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ: وَهَلْ الْأَلْيَةُ وَمَا حَمَلَهُ الظَّهْرُ صِنْفَانِ مِنْ الشَّحْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ والثاني: أَنَّهَا أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ الشَّحْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا الْأَلْبَانُ فَفِيهَا طَرِيقَانِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هِيَ كَاللُّحْمَانِ؛ وَفِيهَا قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَلْبَانُ أَجْنَاسٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْحَيَوَانُ أَجْنَاسٌ فَكَذَلِكَ الْأَلْبَانُ، وَاللُّحْمَانِ لَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا كَاللُّحْمَانِ".
الشرح: نَصُّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ جَازِمٌ بِأَنَّ الْأَلْبَانَ أَجْنَاسٌ قَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ مَا يَكُونُ رَطْبًا أَبَدًا: وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ لَبَنُ الْغَنَمِ مَاعِزُهُ وَضَانِيهِ وَالصِّنْفُ الَّذِي يُخَالِفُهُ الْبَقَرُ دَرْنَانِيَّةٌ وَعِرَابِيَّةٌ وَجَوَامِيسُهُ، وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ الَّذِي يُخَالِفهُمَا مَعًا لَبَنُ الْإِبِلِ: أَوَارِكِهَا وَعَوَادِيهَا وَمُهْرَيْهَا وَنَجِيبِهَا وَعِرَابِهَا. قَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ: وَالْأَلْبَانُ مُخْتَلِفَةٌ وَذَكَرَ أَصْنَافَهَا وَصَرَّحَ بِبَيْعِهَا مُتَفَاضِلًا، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ نَصَّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَمَا اقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فِيهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَنَصَّ فِي الْأُمِّ فِي اللُّحْمَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأَلْبَانُ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللُّحْمَانِ. وَتَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ اللُّحْمَانِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا أَجْنَاسٌ كَمَا فِي اللُّحْمَانِ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ