فهرس الكتاب

الصفحة 3451 من 4102

ج / 10 ص -144- ذَلِكَ جُزَافًا وَلَا بِالتَّحَرِّي وَالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْبَادِيَةِ وَالسَّفَرِ فِي الْمَكِيلِ دُونَ الْمَوْزُونِ لِأَنَّ الْبَادِيَةَ يَتَعَذَّرُ فِيهَا وُجُودُ الْمِكْيَالِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي بِمَنْعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَيْلَ يُمْكِنُ بِالْإِنَاءِ وَالْقَصْعَةِ وَالدَّلْوِ وَحَفْرِ حَفِيرَةٍ يَكِيلُ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ جُزَافًا وَلَا بِالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَالتَّحَرِّي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ سَوَاءٌ خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ أَمْ لَا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ.

أَمَّا إذَا ظَهَرَ التَّفَاضُلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ فَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ، وَشَرْطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَدْرِي أَهِيَ مُعْتَدَّةٌ أَمْ لَا؟ أَوْ هِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَمْ لَا؟ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ بَقِيَّةَ شُرُوطِ الْمَبِيعِ كَالْمِلْكِ وَشَبَهِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ حَيٌّ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، فَالْأَوْلَى التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ، فَالْمُمَاثَلَةُ شَرْطٌ وَالْعِلْمُ بِهَا شَرْطٌ آخَرُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ دُونَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فِي الْمَبِيعِ، كَالْمِلْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ حَيْثُ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فَقَطْ لَا الْعِلْمُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِلِاحْتِيَاطِ فِيمَا أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، فَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَفِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ اُشْتُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ بِالشُّرُوطِ وَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ فَلِذَلِكَ صَحَّ فِي بَيْعِ الْمَالِ الَّذِي يَظُنُّهُ لِأَبِيهِ إذَا تَبَيَّنَ خِلَافَهُ.

وَنَقَلَ عَنْ زُفَرَ رحمه الله: أَنَّهُ إذَا خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ صَحَّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ عَلِمَا التَّسَاوِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَزُفَرُ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ بَلْ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ سَوَاءٌ حَصَلَ الْعِلْمُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا، وَكُلُّ مَا قُلْنَاهُ فِي الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ وَفِي الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَفِي كُلِّ رِبَوِيٍّ بِجِنْسِهِ، صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِذَلِكَ وَلِأَجْلِ جَزْمِ الْأَصْحَابِ بِالْمَنْعِ فِي ذَلِكَ رَدَّ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ. وَالشَّرْطُ عَدَمُ التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ رحمه الله: إنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَدْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ نَظِيرُهُ بَيْعُ مَالٍ ظَنَّهُ لِأَبِيهِ، وَكَانَ لِنَفْسِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَ بَيْعِهِقلت: وَهَذَا التَّخْرِيجُ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْمَنْعِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِيهِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ الْإِجْمَاعِ إنْ ثَبَتَ وَلَمْ يَصِحَّ قَوْلُ زُفَرَ فَالْوَجْهُ الْجَوَابُ عَنْ بَيْعِ مَا ظَنَّهُ لِأَبِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا أَنْ يُطْلَبَ تَخْرِيجٌ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَتَمْرٍ بِزَبِيبٍ أَوْ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَتَبَايَعَاهُمَا جُزَافًا جَازَ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"وَلِمَفْهُومِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَتَيْ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي فِيهَا الْكَيْلُ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ، فَتَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بِجِنْسٍ غَيْرِ التَّمْرِ لَجَازَ وَهَذَا التَّقْيِيدُ هُنَا زِيَادَةٌ مِنْ الرَّاوِي يَجِبُ قَبُولُهَا وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ الْبَحْثِ مَا تَقَدَّمَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُتَأَمِّلٍ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ حَلَالًا1 بِجُزَافٍ وَكَانَتْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا بالأصل فحرر (ش) قلت: وتحرير النص في"الأم"هكذا: كل كيل لا يجوز أن يباع بمثله وزنا وكل وزن فلا يجوز أن يبتاع بمثله كيلا وإن كان أصله الوزن وجزافا. (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت