فهرس الكتاب
ج / 10 ص -146- الله عنه فِيهِ الْجُزَافَ. نَعَمْ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهَا وَأَخْبَرَ بِهِ الْمُشْتَرِيَ فَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ.
وَقَوْلُهُ:"لَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهَا"أَفْرَدَ الضَّمِيرَ، وَهُوَ صَالِحٌ لَأَنْ يَعُودَ عَلَى الصُّبْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَعَلَى الصُّبْرَةِ الَّتِي هِيَ ثَمَنٌ، وَالْحُكْمُ شَامِلٌ لَهُمَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجْهَلَ كِلْتَا الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ أَحَدَاهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَالْأَصْحَابُ. وَدَلِيلُهُ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ مُسْلِمٍ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ، لَا يَعْلَمُ مَكِيلَهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ".
فرع: لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِمَّنْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ فَسَادَهَا، لَا يَجُوزُ - كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ظَاهِرًا ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ لَكِنَّ قَوْلَ الرُّويَانِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا يَصِحُّ أَوْ لَا يَحِلُّ، فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الصِّحَّةِ فَعَدَمُ الصِّحَّةِ حَاصِلٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً أَمْ صَحِيحَةً، وَسَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ بِهَا أَمْ جَهِلَ فَلَا وَجْهَ لِتَشْبِيهِهَا بِمَسْأَلَةِ النِّكَاحِ وَإِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمَ الْحِلِّ، فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ إذَا صَدَرَتْ مِنْ السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ الْقِنِّ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّ حُكْمَنَا بِأَنَّ تَعَاطِيَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ وَهُوَ الْحَقُّ إذَا أُرِيدَ بِهَا تَحْقِيقُ مَعْنَاهَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعًا، فَحِينَئِذٍ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمُكَاتِبِهِ لَا تَحِلُّ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِفَسَادِ الْكِتَابَةِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، لَا يَصِحُّ تَشْبِيهًا بِمَسْأَلَةِ النِّكَاحِ الْمَذْكُورَةِ.
وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ تَعَاطِيَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ لَيْسَ بِحِرَامٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَبْدِهِ الْقِنِّ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ هُنَا بِالتَّحْرِيمِ، ثُمَّ أَيَكْفِي حُصُولُ الْإِثْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ الظَّنِّ وُجُودًا وَعَدَمًا؟ وَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى الْعَقْدِ هَاهُنَا مَعَ ظَنِّهِ تَحْرِيمَهُ فَيَأْثَمُ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا، كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ، فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي الْحِلِّ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفَسَادَ كَمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ إنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّ التَّشْبِيهَ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ بِصُبْرَةِ طَعَامٍ، صَاعًا بِصَاعٍ، فَخَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ فَفِيهِ قولان: أحدهما: أَنَّهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ مُتَفَاضِلًا والثاني: أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا تَسَاوَيَا فِيهِ لِأَنَّهُ شَرْطُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ. وَمَنْ نَقَصَتْ صُبْرَتُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَهُ بِمِقْدَارِ صُبْرَتِهِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ جَمِيعَ الصُّبْرَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ".
الشرح: بَيْعُ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ لَهُ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ جُزَافًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ والثاني: أَنْ يَكُونَ مُكَايَلَةً، كَمَا إذَا بَاعَ صُبْرَةَ طَعَامٍ بِصُبْرَةِ طَعَامٍ صَاعًا بِصَاعٍ وَالْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ هَكَذَا كَمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله. مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْمُزَابَنَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: وَلَوْ عَقَدَا بِبَيْعِهِمَا أَنْ يَتَكَايَلَا هَذَيْنِ الطَّعَامَيْنِ جَمِيعًا بِأَعْيَانِهِمَا مِكْيَالًا بِمِكْيَالٍ فَتَكَايَلَا فَكَانَا مُسْتَوِيَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ فَقولان: أحدهما: أَنَّ لِلَّذِي نَقَصَتْ صُبْرَتُهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ