فهرس الكتاب
ج / 10 ص -147- مَفْسُوخٌ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ بَعْضُهُ حَرَامٌ وَبَعْضُهُ حَلَالٌ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَبِهَذَا أَقُولُ، وَالْقَوْلُ الَّذِي حَكَيْتُ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا نَقَصَ لَا فِي الزِّيَادَةِ1 بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا فِيمَا فِيهِ رِبًا فَقَدْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْكُلِّ فَوَجَدْنَا الْبَعْضَ مُحَرِّمًا أَنْ يَمْلِكَ بِهَذَا الْعَقْدِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ بَيْعَةٍ وَفِيهَا حَرَامٌ. هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: بِحُرُوفِهِ، وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ وَآخَرُونَ، كُلُّهُمْ جَزَمُوا بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا خَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ: جَائِزٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَغْرَبَ الشَّاشِيُّ فَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ إنْ خَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ وَقُلْنَا عِنْدَ التَّفَاضُلِ يَبْطُلُ فَهَاهُنَا وَجْهَانِ أحدهما: يَبْطُلُ قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْخِلَافِ فِي مُتَابِعٍ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ حَصَلَ فِي ذَلِكَ وَهْمٌ، وَانْتِقَالٌ مِنْ الْفَرْعِ الَّذِي سَيَأْتِي إذَا تَقَابَضَا مُجَازَفَةً وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ تَكَايَلَا وَخَرَجَتَا سَوَاءً فَهُنَاكَ وَجْهَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْمُمَاثَلَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَمْ يُوجَدْ وَهُوَ شَرْطٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ لَا يَكْفِي عِنْدَنَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَبَايَعَا جُزَافًا ثُمَّ ظَهَرَ التَّسَاوِي فِي الْمَجْلِسِ لَا يَكْفِي، وَإِنْ تَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مُقَابَلَةَ كُلِّ صَاعٍ بِصَاعٍ لَا مُقَابِلَةَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ بَلْ الْمُقَابَلَتَانِ مَقْصُودَتَانِ وَانْطِبَاقُ الْجُمْلَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْعَقْدِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تُبَاعُ الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ"وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يَعْلَمُ مَكِيلَهَا.
وَقَدْ يَعْتَذِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْمُكَايَلَةُ هُنَا مُشْتَرَطَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْبَائِعِ اكْتَفَى بِهَا وَفَارَقَ بِذَلِكَ التَّبَايُعُ جُزَافًا، فَإِنَّ الْكَيْلَ لَيْسَ وَاجِبًا فِيهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَبَطَلَ، وَهَذَا الْعُذْرُ لَا يُفِيدُ، قَوْلُهُ:"وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ فَقَوْلَانِ"كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ رَجَّحَ رضي الله عنه فِي كَلَامِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فَصَحَّحَ فِي الِانْتِصَارِ وَجَزَمَ فِي الْمُرْشِدِ وَالْأَحْكَامِ الْمُخْتَارَةِ بِالصِّحَّةِ فِيمَا تَسَاوَيَا فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ، وَعَلَّلَهُ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، وَهُمَا مُتَفَاوِتَتَانِ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: الْمُتَقَدِّمُ يُرْشِدُ إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّ الْمَأْخَذَ فِي ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ فِيمَا إذَا بَاعَ صُبْرَةً إلَّا قَفِيزًا وَأَنَّ الْقَائِلَ الْآخَرَ يَنْظُرُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا، وَقَالَ إنَّ هَذَا أَشْبَهُ مِنْ الْمَأْخَذِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ، لِأَنَّهُ لَا مُقَابَلَةَ مَعَ اشْتِرَاطِ كَيْلٍ بِكَيْلٍ وَمَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ حَاصِلَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلَّةِ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ الْمَعْرُوفِ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا والذي في"الأم""إنما يكون له الخيار فيما نقص مما لا ربا في زيادة بعضه على بعض، فأما ما فيه الربا فقد انعقد البيع على الكل فوجد البعض محرما أن يملك بهذه العقدة الخ" (المطيعي) .