فهرس الكتاب

الصفحة 3455 من 4102

ج / 10 ص -148- مَنْعِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَلَكِنَّهُ - لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ الصَّفْقَةَ تُفَرَّقُ - لَمْ يَطَّرِدْ ذَلِكَ هُنَا، لِأَنَّهُ لَا جَرَيَانَ لَهُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَمْ نَقُلْ بِصِحَّتِهِ فِي دِرْهَمٍ مُشَاعًا؟ وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يُخَيَّرُ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَهَذَا أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَنْعِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالضَّابِطُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ تَخَلَّلَ فِي بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْفَسَادُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ إنَّمَا كَانَ تَخَلُّلٌ فِي الْعَقْدِ نَفْسِهِ، وَكَوْنُ هَذِهِ الْمُقَابِلَةِ مَحْظُورَةً مِنْ الشَّارِعِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى كُلٍّ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَجْزَاءُ كُلٍّ مِنْ الْعِوَضَيْنِ صَالِحَةٌ لِإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَجْمِعٌ شَرَائِطَ الْبَيْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ الْقَوْلُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِيهِ، وَفَسَدَ فِي الْجَمِيعِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيهَا لَمْ يَسْتَجْمِعْ شَرَائِطَ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ1 الْفَسَادُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالْإِبْطَالِ فِيهِ، وَتَصْحِيحُ غَيْرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَرَامَ فِي صُورَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ هُوَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ وَالْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ2 إنَّمَا حَرُمَتْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ. فَإِذَا فُرِضَ الْإِبْطَالُ زَالَ الْمُقْتَضِي لِتَحْرِيمِهَا وَعُقُودُ الرِّبَا بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ الْجُزْأَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَنِسْبَتُهَا إلَى كُلِّ الْأَجْزَاءِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلِذَلِكَ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه بِأَنَّهُ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْءٍ بَعْضُهُ حَرَامٌ وَبَعْضُهُ حَلَالٌ يُخَالِفُ مَا بَطَلَ فِي الْجَمِيعِقلت: ظَاهِرُهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَهُ إلَى آخِرِهِ عَلِمَ مَا قُلْتُهُ، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْوَصْفُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى مَا قُلْتُهُ غَيْرُ مُمْتَنِعِ النَّظَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ تَعَسُّفٍ.

وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا نَقَصَ لَا فِيمَا لَا رِبَا فِي زِيَادَةِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ إلَى آخِرِهِ، يُؤَيِّدُهُ إذَا بَاعَهُ صُبْرَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَخَرَجَتْ نَاقِصَةً عَنْ الْعَشَرَةِ، فَهَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَصِحُّ فِي الصُّبْرَةِ بِجَمِيعِ الْعَشَرَةِ، لِأَنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ هُنَاكَ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ نَاقِصَةً أَوْ زَائِدَةً بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ بَاعَ جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ بِعَشْرَةٍ، وَشَرْطُ مُقَابَلَةِ كُلِّ صَاعٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مُمْتَنِعٌ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُطَّرِدَةٌ فِي مَسْأَلَتِنَا أَيْضًا، لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ طَرِيقَةُ الْأَصْحَابِ عَلَى حِكَايَةِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا إذَا كَانَ لَيْسَ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ، مِثْلُ الْحِمَّصِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَأَمَّا مَا فِيهِ الرِّبَا فَإِنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا.

التَّفْرِيعُ: إنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِيمَا تَسَاوَيَا فِيهِ فَيَثْبُتُ الَّذِي بَاعَ الصُّبْرَةَ النَّاقِصَةَ وَهُوَ مُشْتَرِي النَّاقِصَةِ وَهُوَ مُشْتَرِي الصُّبْرَةِ الْكَثِيرَةِ الْخِيَارِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا بالأصل ويمكن أن يكون السقط: من حيث انتفاء الفساد في المعقود عليه (ط) .

2 الهيئة الاجتماعية المراد بها كيفية اجتماع الصفقة على هيئة واحدة غير متفرقة (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت