فهرس الكتاب
ج / 10 ص -149- الْمَطْلَبِ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُقَابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ مَقْصُودٌ بِالْعَقْدِ فَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهَذَا النَّظَرُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ فِيهِ إحَالَةً لِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ صُورَتَهَا أَنْ تَقَعَ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَظْنُونَةٌ فَإِذَا قَامَتْ الْمُمَاثَلَةُ بَطَلَ الْخِيَارُ وَمِمَّنْ وَافَقَنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالصِّحَّةِ عِنْدَ التَّسَاوِي وَثُبُوتِ الْخِيَارِ عِنْدَ ظُهُورِ التَّفَاضُلِ الْحَنَابِلَةُ.
فرع: لَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ تَقَابُضِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَقِيلَ الْكَيْلُ فِي الْمَكِيلِ، وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونِ فَهَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَنَسَبَهُمَا الرُّويَانِيُّ إلَى الْقَفَّالِ أصحهما عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ لَا، لِوُجُودِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ والثاني: نَعَمْ لِبَقَاءِ الْعَلَقَةِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْقَبْضَ جُزَافًا فِي هَذِهِ لَا يَصِحُّ فَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِقلت: وَقَدْ بَنَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي السِّلْسِلَةِ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوِيَ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَسَائِرَ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ وَالشَّافِعِيَّ بَلْ وَسَائِرَ الْعُلَمَاءِ جَازِمُونَ بِأَنَّ الْقَبْضَ فِيمَا يُبَاعُ مُكَايَلَةً لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْكَيْلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ: وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا كَيْلًا فَقَبْضُهُ أَنْ يَكْتَالَهُ. وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ الصَّرْفِ: وَالْقَبْضِ مِنْ الْبُيُوعِ كُلُّ مَا كَانَ يَنْتَقِلُ مِثْلُ الصَّيْدِ وَالْعُرُوضِ أَوْ يُوزَنُ وَيُكَالُ فَقَبْضُهُ الْكَيْلُ وَالِانْتِقَالُ وَالْوَزْنُ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: وَلَوْ أَعْطَى طَعَامًا فَصَدَّقَهُ فِي كَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مَقْبُوضًا إلَّا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الرَّافِعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَبْضَ فَاسِدٌ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ وَجَزَمَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مِنْهُ طَعَامًا بِالْكَيْلِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ بَيْعِ الثِّمَارِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ جُزَافًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَفِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ لِبَقَاءِ الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا، لَكِنَّهُ فِي بَابِ الْقَبْضِ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُسَلَّطًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إنَّهُ يَصِحُّ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَذَا أَقْيَسُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَصِحُّ وَادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ السَّلَمِ وَأَبُو الطَّيِّبِ هُنَا أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ شِيَخَةٌ وَطَوَائِفُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّ الْجُمْهُورَ عَلَيْهِ. وَرَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَا وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْمُرَادَ بِفَسَادِ الْقَبْضِ هَاهُنَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِهِ. وَهَذَا لَيْسَ مَحْمَلًا وَاضِحًا. قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إطْلَاقُ الْفَسَادِ مِمَّنْ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ مِنْ الْقَدْرِ الْمُسْتَيْقَنِ. وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّلَمِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الرَّافِعِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِهِ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ فَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ أَلَّا يَعْتَبِرَهُ فِي الصَّرْفِ، وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ، وَيُكْتَفَى بِصُورَةِ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ وَجْهِ كَوْنِهِ نَاقِلًا لِلضَّمَانِ عَلَى أَشْكَالِهِ، لَكِنَّ بَابَ الرِّبَا يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ، وَأَلَّا يُكْتَفَى إلَّا بِمَا هُوَ قَبْضٌ تَامٌّ،