فهرس الكتاب
ج / 10 ص -151- وَلَوْلَا الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ كَانَ تَقَوِّي الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَكْتَفِي بِالْقَبْضِ الْمَذْكُورِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا فَيَكْتَفِي بِهِ. لَكِنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَضَّدَهَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ نَقْلَهُ، مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ غَنِيَّةٌ عَنْ الِاعْتِضَادِ بِغَيْرِهَا. وَمَهْمَا ثَبَتَ فِي الطَّعَامِ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي النَّقْدِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِمَا، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ فَسَادُ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي بِذَلِكَ الْقَبْضُ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ مَا قَدَّمْتُهُ فِي بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا حَتَّى يَحْصُلَ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: عَلَى هَذَا الْفَرْعِ: إذَا قُلْنَا بِمَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا إنْ كِيلَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَخَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَانِ صَحَّ، وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاضِلَتَيْنِ جَرَى الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ وإن قلنا: بِالْوَجْهِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَبْطُلُ فَلَا فَرْقَ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُكَالَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَخْرُجَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَفَاضِلَتَيْنِ. وَسَلَكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ تَرْتِيبًا آخَرَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ اخْتِلَافٌ فَقَالَ: إذَا تَقَابَضَا جُزَافًا ثُمَّ تَكَايَلَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ - فَإِنْ خَرَجَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ - هَلْ يَجُوزُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَسَاوَيَا فِيهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: وَجْهَانِ، إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ فَلِأَيِّ مَعْنًى؟ فِيهِ مَعْنَيَانِ أحدهما: أَنَّهُمَا تَفَرَّقَا وَبَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَقَةُ التَّقَابُضِ، وَالْبَابُ بَابُ رِبًا وَ الثاني: لِوُجُودِ الْفَضْلِ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ، وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا: َوْ خَرَجَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ يَجُوزُ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ لَا يَجُوزُ فَهَاهُنَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ إنْ قُلْنَا: لْمَعْنَى فِيهِ بَقَاءُ الْعَلَقَةِ لَمْ يَجُزْ وإن قلنا: بِالثَّانِي جَازَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا خَرَجَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ يُبْنَيَانِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا حُسْنَ التَّرْتِيبِ وَالْبِنَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إذَا كَانَتْ الصُّبْرَتَانِ مَعْلُومَتَيْ الْمِقْدَارِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْقَدْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: بِعْتُ مِنْكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، قُلْتُ: وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي قَبْضِهَا إلَى كَيْلٍ، بَلْ حُكْمُهُ فِي الْقَبْضِ حُكْمُ الْجُزَافِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْكَيْلُ، وَالْكَيْلُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيمَا بِيعَ مُكَايَلَةً لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْكَيْلُ فِيمَا بِيعَ مُكَايَلَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا بِيعَ مُجَازَفَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فَأَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ جُزَافًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَيْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِسَنَدِهِ إلَى طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُبَاعَ صُبْرَةٌ بِصُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ لَا يُعْرَفُ مَكِيلُهُمَا أَوْ يُعْلَمُ مَكِيلَةُ إحْدَاهُمَا، وَلَا يُعْلَمُ مَكِيلَةُ الْأُخْرَى، أَوْ يُعْلَمُ مَكِيلَتُهُمَا جَمِيعًا هَذِهِ بِهَذِهِ، وَهَذِهِ بِهَذِهِ، قَالَ: لَا، إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ طَاوُسًا يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ عَلَى أَنَّ الصُّبْرَتَيْنِ مَعْلُومَتَا الْمِقْدَارِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْ