فهرس الكتاب
ج / 10 ص -162- فرع: هُوَ كَالْقَاعِدَةِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ فِي بَابِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا: أَصْلُ السَّلَفِ فِيمَا يَتَبَايَعُهُ النَّاسُ أَصْلَانِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ يَصْغُرُ وَتَسْتَوِي خِلْقَتُهُ فَيَحْتَمِلُهُ الْمِكْيَالُ وَلَا يَكُونُ إذَا كَيْلٌ تَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ، فَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا بَائِنَةٌ فِي الْمِكْيَالِ عَرِيضَةُ الْأَسْفَلِ دَقِيقَةُ الرَّأْسِ، أَوْ عَرِيضَةُ الْأَسْفَلِ وَالرَّأْسِ دَقِيقَةُ الْوَسَطِ، فَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ إلَى جَنْبِهَا مَنَعَهُ عَرْضُ أَسْفَلِهَا مِنْ أَنْ يَلْصَقَ بِهَا، وَوَقَعَ فِي الْمِكْيَالِ وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ تَجَافٍ، ثُمَّ كَانَتْ الطَّبَقَةُ الَّتِي فَوْقَهُ مِنْهُ. هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَالَ. وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا تَرَكُوا كَيْلَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ فِيهِ كَيْلًا، وَفِي شَبِيهٍ بِهَذَا الْمَعْنَى مَا عَظُمَ وَاشْتَدَّ فَصَارَ يَقَعُ فِي الْمِكْيَالِ مِنْهُ الشَّيْءُ مُعْتَرِضًا وَمَا بَيْنَ الْقَائِمِ تَحْتَهُ مُتَجَافٍ فَيَسُدُّ الْمُعْتَرِضُ الَّذِي فَوْقَهُ الْفُرْجَةُ الَّتِي تَحْتَهُ، وَيَقَعُ عَلَيْهِ فَوْقَهُ غَيْرُهُ فَيَكُونُ مِنْ الْمِكْيَالِ شَيْءٌ فَارِغٌ بَيْنَ الْفَرَاغِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْخِيَارِ وَالْبَاذِنْجَانِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا كَانَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ، وَلَا يَجُوزُ السَّلَفُ فِي هَذَا كَيْلًا، وَلَوْ تَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ سَلَفًا، وَمَا صَغُرَ وَكَانَ يَكُونُ فِي الْمِكْيَالِ فَيَمْتَلِئُ الْمِكْيَالُ بِهِ وَلَا يَتَجَافَى التَّجَافِيَ الْبَيِّنَ مِثْلَ التَّمْرِ، وَأَصْغَرُ مِنْهُ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ خِلْقَتُهُ اخْتِلَافًا بَائِنًا مِثْلُ السِّمْسِمِ وَمَا أَشْبَهَهُ أُسْلِمُ فِيهِ كَيْلًا، وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ كَيْلًا فَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِيهِ وَزْنًا، انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَهُوَ ضَابِطٌ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، وَفِيهِ شَاهِدٌ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَيُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَثَّلَ الرُّويَانِيُّ مَا يَتَجَافَى بِعُرُوقِ الشَّجَرِ وَقِطَعِ الْخَشَبِ مِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّ السَّعْمَقَ يُبَاعُ وَزْنًا قَدْ يَكُونُ فُتَاتًا وَيَكُونُ قِطَعًا، فَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ"."
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ كَيْلُهُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يُمْكِنُ وَزْنُهُ، وَهَكَذَا صَوَّرَ الْإِمَامُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ جَمِيعًا فَبِمَاذَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ؟ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَالِكِي طَرِيقَتِهِمْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ، صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَجَزَمَ بِهِ سَلَّامُ الْمَقْدِسِيُّ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِمَا حَكَمَتْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ حَلَّ، وَمَا اسْتَخْبَثَتْهُ حَرُمَ، وَمَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ رُدَّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْمَرْجِعَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاشْتِبَاهُ أَنْ تَرُدَّ إلَى أَشْبَهِ الْأُصُولِ بِهَا. وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ فِي اسْتِدْلَالِهِ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْحِجَازِ، أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَرْجِعَ إلَى الْحِجَازِ وَلَيْسَ لَهُ بِهَا أَصْلٌ فَنَعْتَبِرُ مَا يُشْبِهُهُ مُحَافَظَةً عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهُ بِبَلَدِهِ لَفَاتَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْعَادَةِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ الْأَفْقَهُ، وَاقْتَضَى إيرَادُ الْجُرْجَانِيِّ تَرْجِيحَهُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَعَلَ مَحِلَّ الْخِلَافِ فِيمَا لَا عَادَةَ فِيهِ، أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُسْتَوِيَةً فِيهِ. قَالَ صَاحِبُ الْوَافِي: وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ إلَى الْعُرْفِ لَا إلَى أَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ لَعَلَّهُ يَقْرِنُ بَيْنَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَسْأَلَتِنَا، بِأَنَّ الْبَعِيدَ فِي اعْتِبَارِ الْأَشْبَاهِ مَعْمُولٌ بِهِ فِي جَزَاءِ