فهرس الكتاب
ج / 10 ص -170- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
ومنها: عَنْ فَضَالَةَ قَالَ:"أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَأَرَدْتُ بَيْعَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: افْصِلْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ ثُمَّ بِعْهَا"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ حَنَشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّيْثُ أَوْ خَالِدٌ أَبَا شُجَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى حَنَشٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ: سِيَاقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَعَ عَدَالَةِ رُوَاتِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بُيُوعًا شَهِدَهَا فَضَالَةُ كُلَّهَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْهَا، فَأَدَّاهَا كُلَّهَا، وَحَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ أَدَّاهَا مُفَرَّقَةً، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّةَ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُسْلِمٍ. ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى قَالَ: لِأَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ اشْتَرَاهَا، وَفِي تِلْكَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَهَا. وَاخْتَلَفَا أَيْضًا فِي قَدْرِ الدَّنَانِيرِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي النَّهْيِ حَتَّى يَفْصِلَ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْبَيْعِ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُتَعَيِّنٌ، فَإِنَّ أَسَانِيدَ الطُّرُقِ كُلِّهَا صِحَاحٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا فَالْجَمْعُ بَيْنَهَا بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ عَلَى بَعْضِهَا بِالْغَلَطِ، وَأَيْضًا كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ حَتَّى يَفْصِلَ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ.
وَقَدْ رَامَ الطَّحَاوِيُّ دَفْعَهَا بِمَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ، قَالَ: وَقَدْ اضْطَرَبَ عَلَيْنَا حَدِيثُ فَضَالَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا فَرَوَاهُ قَوْمٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَ الذَّهَبَ، لِأَنَّ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، لَا لِأَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ قَبْلَ أَنْ يُنْزَعَ مَعَ غَيْرِهِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ جَائِزٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَى مَنْ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"لَا يُبَاعُ حَتَّى يُفْصَلَ"ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ اضْطَرَبَ عَلَيْنَا هَذَا الْحَدِيثُ فَلَمْ يُوقَفْ عَلَى مَا أُرِيدَ مِنْهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي رُوِيَ عَلَيْهَا إلَّا احْتَجَّ مُخَالِفُهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْآخَرُ.
قلت: وَلَيْسَ، ذَلِكَ بِاضْطِرَابٍ قَادِحٍ، وَلَا تَرِدُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"لَا يُبَاعُ حَتَّى يَفْصِلَ"صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَكَوْنُ فَضَالَةَ أَفْتَى بِهِ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ غَيْرِ مَرْفُوعٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا يَنْفِي سَمَاعَهُ لَهُ، فَقَدْ يَسْمَعُ الرَّاوِي شَيْئًا ثُمَّ يَتَّفِقُ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَيُفْتِي بِمِثْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:"مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ ضَبَطَهُ ابْنُ النَّوِيكِ - بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَقَافٍ - ابْنُ مَعْنٍ يَرْوِي بِالْقَافِ، وَيَرْوِي مُغَلَّفَةً بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - وَهَذَا الْحَدِيثُ مُعْتَمَدُ أَصْحَابِنَا مِنْ جِهَةٍ لِلْأَثَرِ فِي الْقَاعِدَةِ الْمُتَرْجَمَةِ"بِمُدِّ عَجْوَةٍ"وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ وَهْبٍ وَمِنْ فِقْهِ السِّقَايَةِ الَّتِي بَاعَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَنْكَرَهَا عُبَادَةُ أَنَّهَا الْقِلَادَةُ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."