ج / 10 ص -198- صَعِيدِيٍّ بِبَحْرِيٍّ1، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ الْآخَرِ، فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ نَقُولُ بِالصِّحَّةِ فِي الْجِنْسَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، كَمَا إذَا بَاعَ مَعْقِلِيًّا بِبَرْنِيِّ فِيهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ الْمَعْقِلِيِّ لَا يُقْصَدُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَحَيْثُ نَقُولُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْجِنْسَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ مَقْصُودًا، فَهَاهُنَا يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ"قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ"وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ، وَيَأْتِي فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ظَاهِرًا يُرَى مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ الْخَلِيطِ مُوجِبًا لِتَفَاوُتِ الْكَيْلِ فِيمَا اخْتَلَطَ بِهِ وَمُقَابِلَهُ، لِأَنَّ الْخَلِيطَ هُنَا مِنْ الْجِنْسِ مُعْتَبَرٌ فِي الْكَيْلِ أَيْضًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ بِالْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ، وَالْمَغْشُوشَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ: الْغِشُّ الَّذِي فِيهَا مِمَّا لَهُ ثَبَاتٌ وَقِيمَةٌ كَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالْمَسِّ وَهُوَ2 وَكَذَلِكَ، الدَّرَاهِمُ الْمُزَيَّفَةُ وَهِيَ الَّتِي فِيهَا فِضَّةٌ وَرَصَاصٌ وَزِئْبَقٌ فَيُسْتَهْلَكُ الزِّئْبَقُ وَتَبْقَى الْفِضَّةُ وَالرَّصَاصُ وَقِسْمٌ: الْغِشُّ الَّذِي فِيهَا مِمَّا يُسْتَهْلَكُ كَالزَّرْنِيخِيَّةِ والْأنْدَرانِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي تُتَّخَذُ شَبَهَ الدَّرَاهِمِ مِنْ الزِّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ ثُمَّ يَطْلِي عَلَيْهِ الْفِضَّةَ، وَقَدْ كَانَ يُتَعَامَلُ بِهَا فِي بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا، وَتُسَمَّى بِخُرَاسَانَ الزَّرْنِيخِيَّةَ وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِهْلَاكِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لِغِشِّهَا قِيمَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ الْغِشِّ فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ شَامِلٌ لِلْقِسْمَيْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ فِي الْقِسْمَيْنِ مَعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا قِيمَتُهُ بَاقِيَةٌ أَمْ لَا، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ، قَالَ نَصْرٌ: وَإِنْ قَلَّ. وَكَذَلِكَ الْمَغْشُوشَةُ بِالْمَغْشُوشَةِ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ مُخْتَلِفٌ.
فَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ بِغِشٍّ يَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَعْلِيلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ أحدهما: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بَيْعُ فِضَّةٍ وَشَيْءٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ بِفِضَّةٍ وَشَيْءٍ. فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ"مُدِّ عَجْوَةٍ"والثاني: لِأَنَّ الْفِضَّةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ وَبَنَوْا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ شِرَاءَ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَتُرَابِ الْمَعْدِنِ وَهَذَا رَأْيُ الْقَفَّالِ فِيمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ. وَاسْتَضْعَفُوا هَذَا وَاسْتَدَلُّوا لِلْأَوَّلِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ"مَنْ زَافَتْ دَرَاهِمُهُ فَلْيَأْتِ السُّوقَ وَلْيَشْتَرِ بِهَا ثِيَابًا"رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي"زَوَائِدِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ".
عَلَى أَنَّهُ قَدْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ"زَافَتْ"عَلَى أَنَّهَا بَقِيَتْ لَيْسَ أَنَّهَا زُيُوفٌ، جَمْعًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا رضي الله عنه أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَالِ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ، وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ رضي الله عنه فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْرُ الْغِشِّ مَعْلُومًا جَازَ قَطْعًا َإِلَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بحري يقابل صعيدي وهما من الألفاظ الشائعة عند المصريين يطلقون على الوجه القبلي من جنوب القاهرة إلى حدود السودان الصعيد لارتفاغه عن الوجه البحري وهو شمال القاهرة إلى البحر الأبيض المتوسط.
2 بياض بالأصل فحرر ولعل العبارة وهو مما لا يستهلك (ط) .