ج / 10 ص -199- فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، رَابِعُهَا إنْ كَانَ الْغِشُّ غَالِبًا لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
وَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ بِغِشٍّ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالزَّرْنِيخِيَّةِ فَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ أَوْ بِالْخَالِصَةِ الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ أَوْ تَحَقُّقُ الْمُفَاضَلَةِ، وَإِنْ ابْتَاعَ بِهَا ثِيَابًا جَازَ، لِأَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ عَلَى الْفِضَّةِ فَحَسْبُ، وَهِيَ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الزَّرْنِيخِيَّةِ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ فَلَا مَنْعَ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِهَا ذَهَبًا جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا، هَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ خِلَافَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ الْكَلَامِ فِيهَا مَعَ تَقَدُّمِهَا، وَمِمَّا أَفَادَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِيهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُهَا وَإِمْسَاكُهَا إذَا كَانَ النَّقْدُ الَّذِي فِي أَيْدِي النَّاسِ خَالِصًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَغْرِيرَ النَّاسِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ جِنْسُ النَّقْدِ مَغْشُوشًا فَلَا كَرَاهِيَةَ، وَأَفَادَ الرُّويَانِيُّ أَيْضًا أَنَّ الْغِشَّ لَوْ كَانَ قَلِيلًا مُسْتَهْلَكًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الْوَزْنِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إبْطَالِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَقَدْ قِيلَ بِتَعَذُّرِ طَبْعِ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يُخَالِطْهَا خَلْطٌ مِنْ جَوْهَرٍ آخَرَ. قُلْتُ: وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ضُرِبَتْ الْفِضَّةُ خَالِصَةً فَتَشَقَّقَتْ، فَجُعِلَ فِيهَا فِي كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِثْقَالٌ مِنْ ذَهَبٍ فَانْصَلَحَتْ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا بِيعَ دِرْهَمٌ مَثَلًا لَا يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ مَا مَعَهُ مِنْ الْغِشِّ، وَأَمَّا إذَا بِيعَ قَدْرٌ كَبِيرٌ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْوَزْنِ فَيَنْبَغِي الْبُطْلَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَتَّبُوا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ جَوَازَ بَيْعِهَا بِالذَّهَبِ إن قلنا: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الثِّيَابِ بِهَا، فَالذَّهَبُ أَوْلَى وإن قلنا: يَجُوزُ فَهَاهُنَا بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ صَرْفٌ، وَبَيْعُ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ بِالذَّهَبِ بَيْعٌ، فَهُوَ بَيْعٌ وَصَرْفٌ، وَلَنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِوأما: الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ الْغِشُّ فِيهِ مُسْتَهْلَكًا كَالزَّرْنِيخِيَّةِ والْأنْدَرانِيَّةِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلَا بِالْخَالِصَةِ لِأَنَّهُ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ مَجْهُولَةِ التَّسَاوِي، أَوْ مَعْلُومَةِ التَّفَاضُلِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا جَازَ بِلَا خِلَافٍ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ جَمِيعًا.
أما عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ النَّظَرُ إلَى"قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ"فَلِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مَعَ الْفِضَّةِ شَيْءٌ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِ الثَّمَنُوأما: عَلَى الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ فَهَاهُنَا الْمَقْصُودُ ظَاهِرٌ، وَهَكَذَا إذَا اشْتَرَى ذَهَبًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الَّذِي مَعَ الْفِضَّةِ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ بَيْعٍ وَصَرْفٍ، وَيَجِبُ أَنْ تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا: إنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَغْشُوشَةَ لَا يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ، أَوْ فِيهَا خِلَافٌ، فَإِنَّ هَذِهِ دَرَاهِمُ مَغْشُوشَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّعَامُلِ بِهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ شِرَاءِ السِّلَعِ بِهَا وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفِضَّةِ يَأْتِي فِي الذَّهَبِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مَغْشُوشًا بِمَغْشُوشٍ أَوْ خَالِصًا بِمَغْشُوشٍ، وَأَقْسَامُ الْغِشِّ وَأَحْكَامُهُ لَا تَخْتَلِفُ، كَذَلِكَ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ فَوَائِدُ، وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.