ج / 10 ص -216- حَالِ رُطُوبَتِهِ، فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَاللَّبَنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ التَّمَاثُلَ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ جُزَافًا، وَيُخَالِفُ اللَّبَنَ فَإِنَّ كَمَالَهُ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِكُلِّ مَا يُرَادُ بِهِ، وَالْكَمَالُ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فِي حَالِ يُبُوسَتِهِ، لِأَنَّهُ يُعْمَلُ مِنْهُ كُلُّ مَا يُرَادُ مِنْهُ، وَيَصْلُحُ لِلْبَقَاءِ وَالِادِّخَارِ"."
الشرح: الطَّعَامُ الرَّطْبِ مِنْهُ مَا يَخْرُجُ عَنْ الرُّطُوبَةِ فِي حَالٍ يَصِيرُ يَابِسًا. وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ وَإِلَى مَا لَا يُدَّخَرُ، فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ الَّذِي يَكُونُ رَطْبًا أَبَدًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ الَّذِي يَكُونُ رَطْبًا أَبَدًا إذَا تُرِكَ لَمْ يَنْتَنْ مِثْلَ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَالْأَدْهَانِ وَاللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَنْتَهِي بِيُبْسٍ فِي مُدَّةٍ جَاءَتْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَبْرُدَ، فَيَجْمُدَ بَعْضُهُ ثُمَّ يَعُودُ ذَائِبًا كَمَا كَانَ، أَوْ بِأَنْ يُقَلَّبَ بِأَنْ يُعْقَدَ عَلَى نَارٍ أَوْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ يَابِسٌ، فَيَصِيرُ هَذَا يَابِسًا بِغَيْرِهِ وَعَقْدِ نَارٍ فَهَذَا الصِّنْفُ خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَا يَكُونُ رَطْبًا بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُطُوبَةَ مَا يَبِسَ مِنْ التَّمْرِ رُطُوبَةٌ فِي شَيْءٍ خُلِقَ مُسْتَحِيلًا إنَّمَا هُوَ رُطُوبَةٌ طَرَأَتْ كَطُرُوءِ اغْتِذَائِهِ فِي شَجَرِهِ وَأَرْضِهِ، فَإِذَا زَالَ مَوْضِعُ الِاغْتِذَاءِ مِنْ مَسِّهِ عَادَ إلَى الْيُبْسِ، وَمَا وُصِفَتْ رُطُوبَتُهُ مُخَرَّجَةً مِنْ أَمَاتَ الْحَيَوَانِ أَوْ ثَمَرِ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ، قَدْ زَالَ الشَّجَرُ وَالزَّرْعُ الَّذِي هُوَ لَا يَنْقُصُ بِمُزَايَلَةِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ نَفْسُهُ وَلَا يَجِفُّ بِهِ. بَلْ يَكُونُ مَا هُوَ فِيهِ رَطْبًا انْطِبَاع رُطُوبَتِهِ.
والثاني: أَنَّهُ لَا يَعُودُ يَابِسًا كَمَا يَعُودُ غَيْرُهُ إذَا تُرِكَ مُدَّةً إلَّا بِمَا وَصَفْتُ، فَلَمَّا خَالَفَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلْنَا حُكْمَ رُطُوبَتِهِ حُكْمَ جُفُوفِهِ، وَلِأَنَّا كَذَلِكَ نَجِدُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ لَا مُتَنَقِّلًا إلَّا بِتَنَقُّلِ غَيْرِهِ ا هـ. فَهَذَا الْقِسْمُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ، فِي كَلَامِهِ بَلْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِهِ فِيمَا بَعْدُ كَالْخُلُولِ وَالْأَلْبَانِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاقْتَصَرَ عَلَى الرَّطْبِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ يَابِسُهُ. وَقَسَّمَهُ قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ: الَّذِي يُدَّخَرُ يَابِسُهُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْفُولِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالرُّمَّانِ الْحَامِضِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا غَالَبَ مَنَافِعُهُ فِي حَالِ يُبْسِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبِهِ بِرُطَبِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ فِي بَابِ بَيْعِ الْآجَالِ: وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ يَكُونُ رَطْبًا ثُمَّ يَيْبَسُ فَلَا يَصْلُحُ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَنَهَى عَنْهُ"فَنَظَرَ فِي الْمُتَعَقَّبِ فَكَذَلِكَ نَنْظُرُ فِي الْمُتَعَقَّبِ فَلَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ لِأَنَّهُمَا إذَا تَيَبَّسَا اخْتَلَفَ نَقْصُهُمَا، فَكَانَتْ فِيهِمَا الزِّيَادَةُ فِي الْمُتَعَقَّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْأُمِّ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ فِي بَابِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي يَكُونُ رَطْبًا ثُمَّ يَيْبَسُ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا مَا جَازَ فِيهِ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبُ نَفْسُهُ بِبَعْضٍ لَا يَخْتَلِف ذَلِكَ. وَهَكَذَا مَا كَانَ رُطَبًا، فِرْسِكٌ1 وَتُفَّاحٌ، وَتِينٌ وَعِنَبٌ وَإِجَّاصٌ وَكُمَّثْرَى وَفَاكِهَةٌ، لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ رُطَبًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الفرسك كزبرج: الخوج أو ضرب منه أجرد أحمر أو ما ينفلق من نواه، أفاده في"القاموس" (ط) .