ج / 10 ص -215- وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أحدها: الْجَوَازُ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ فَأَشْبَهَ الْقَصْلَ بِالْحِنْطَةِ والثاني: لَا، لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلْعِ يَصِيرُ رُطَبًا بِخِلَافِ الْقَصْلِ والثالث: قَالَا وَهُوَ أَصَحُّ إنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْفُحَّالِ جَازَ لِأَنَّهُ صَارَ رُطَبًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْإِنَاثِ لَمْ يَجُزْ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبُسْرَ وَالْبَلَحَ كَالرُّطَبِ فِي ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَكَذَلِكَ الْخَلَّالُ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ كَالدِّبْسِ وَالنَّاطِفِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِتَمْرٍ وَلَا رُطَبٍ، وَلَا بِمَا يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ رُطَبًا كَالْمِلْحِ وَالْخِلَالِ وَالْبُسْرِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَجْنَاسِ: إنَّ الْبَلَحَ مَعَ الرُّطَبِ وَالْحِصْرِمِ مَعَ الْعِنَبِ كَالْعَصِيرِ مَعَ الْخَلِّ عِنْدَهُ، وَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْعَصِيرِ مَعَ الْخَلِّ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ جَوَازُ بَيْعِ الْبَلَحِ بِالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا، وَجَوَازُ بَيْعِ الْحِصْرِمِ بِالْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا، وَأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الِاخْتِلَافُ فِي الْجِنْسِيَّةِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ، فَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْعَصِيرَ وَالْخَلَّ جِنْسَانِ، بَلْ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ الَّذِي بَيْنَهُمَا أَشَدُّ مِمَّا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الطَّلْعِ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ جِنْسًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِأَنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِيهِ إشْكَالٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ بِاسْمٍ خَاصٍّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمَا جِنْسَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى الضَّابِطِ الْمَشْهُورِ فِي اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْأَجْنَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:"رُطَبِهِ بِيَابِسِهِ"عَائِدٌ عَلَى مَا حَرُمَ بِهِ الرِّبَا الَّذِي صُدِّرَ بِهِ الْفَصْلُ السَّابِقُ عَلَى الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَاتِّحَادُ الضَّمِيرِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ، أَيْ لَا يُبَاعُ رَطْبُ الْجِنْسِ بِيَابِسِ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ مُقْتَصِرًا عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، بَلْ كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ إذَا كَانَ رِبَوِيًّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَحَبِّ الرُّمَّانِ بِالرُّمَّانِ الرَّطْبِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا خِلَافَ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَجْرِي، فِيهَا الرِّبَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ الْوَاضِحَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالْعِنَبِ، وَالْعِنَبِ بِالتَّمْرِ، وَالرُّطَبِ بِالزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبِ بِالتَّمْرِ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَقَدْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ، كُلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَوَازَ بَيْعِ يَابِسِهِ بِيَابِسِهِ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمِكْيَالِ، وَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ لَهَا حَالَةُ جَفَافٍ كَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْبِطِّيخِ الَّذِي يُفْلَقُ وَالْكُمَّثْرَى الَّذِي يُفْلَقُ وَالرُّمَّانُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ مَرَّ بَعْضُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْمِعْيَارِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: يَجُوزُ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَنَافِعِهِ فِي"