ج / 10 ص -219- يَصْلُحُ لَهُ الرُّطَبُ، وَزِيَادَةُ الِادِّخَارِ وَلَا يَصْلُحُ الرُّطَبُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ التَّمْرُ، وَاللَّبَنُ يَصْلُحُ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَإِذَا جُبِّنَ أَوْ جُعِلَ لَبَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِكُلِّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَلَيْسَ لِلَّبَنِ حَالَةٌ أُخْرَى يَنْتَهِي إلَيْهَا بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ. وَعَنْ كَلَامِ الْمُزَنِيِّ فِي أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي النُّقْصَانِ إذَا يَبِسَا بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَرْطَابَ تَتَفَاوَتُ فِي الْيُبْسِ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي حَالِ كَمَالِهَا، وَالتَّفَاضُلُ الْمُحْتَمَلُ هُنَا أَكْثَرُ مِنْ الْحَاصِلِ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ التَّمْرَ الْحَدِيثَ يَتَنَاهَى فِي الْجَفَافِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَالَةٍ يَظْهَرُ فِيهَا التَّفَاوُتُ فِي الْكَيْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ، وَمَعَ هَذَا لَا يَرِدُ النَّقْضُ الْمَذْكُورُ.
وأما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ عِلَّتَانِ: مُسْتَنْبَطَةٌ وَمَنْصُوصَةٌ، فَالْمُسْتَنْبَطَة لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَخْصُوصَةِ فَقِيلَ كَالْمُسْتَنْبَطَةِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا، لِأَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ عِلَّةً لِاطِّرَادِهَا، وَالْمَنْصُوصَةُ عِلَّةٌ بِالنَّصِّ فَجَرَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ بِهَا إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِهَا تَخَصَّصَتْ، وَالنَّقْضُ مُنْدَفِعٌ فِي كِلَا الطَّرِيقَيْنِ، لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ فَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ مُجَرَّدَ النُّقْصَانِ وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ قَبْلَ حَالَةِ الِادِّخَارِ قَالَ صلى الله عليه وسلم"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟"وَفِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا نُقْصَانٌ يَحْدُثُ بَعْدَ بُلُوغِ حَالَةِ الِادِّخَارِ.
فرع: هَذَا الْقِسْمُ الَّذِي تَجْفِيفُهُ غَالِبٌ إذَا جُفِّفَ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي حَالَةِ الْجَفَافِ، إذَا كَانَ لَهُ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ فَيَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ كُلَّ مَا يُجَفَّفُ غَالِبًا فَهُوَ مُقَدَّرٌ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فَلَيْسَ ثَمَّ مَا يُجَفَّفُ غَالِبًا، وَهُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ حَتَّى يُتَرَدَّدَ فِي بَيْعِهِ حَالَةَ جَفَافِهِ، فَإِنْ فُرِضَ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: أَمَّا مَا لَا يَغْلِبُ تَجْفِيفُهُ، بَلْ تَجْفِيفُهُ فِي حُكْمِ النَّادِرِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي التَّفَاضُلِ عِنْدَ الْأَكْلِ مِنْ رُطَبٍ لِجِنْسٍ، وَأَكْثَرُ الْغَرَضِ فِي رُطَبِهِ، فَقَدْ ذَكَر الْإِمَامُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، وَمَثَّلَهُ بِالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ.
أحدها: الْجَوَازُ رَطْبًا وَيَابِسًا.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ رَطْبًا وَيَابِسًا فَإِنَّهُ لَمْ تَتَقَرَّرْ لَهُ حَالَةُ كَمَالٍ لَا رَطْبًا وَلَا يَابِسًا.
والثالث: الْمَنْعُ رَطْبًا وَالْجَوَازُ يَابِسًا. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ إلَى الْجَوَازِ رَطْبًا وَالْمَنْعِ جَافًّا، ثُمَّ الرَّطْبُ الَّذِي لَوْ جُفِّفَ فَسَدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَسَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي حَالَةِ الْخَوْخِ وَجْهَيْنِ فِي الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْبِطِّيخِ الَّذِي يَتَفَلَّقُ وَالرُّمَّانِ الْحَامِضِ، وَهُمَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي التَّنْبِيهِ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ.
فرع: قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: جَفَافُ الْبِطِّيخِ حَيْثُ يُعْتَادُ مِنْ الْبِلَادِ فِي حُكْمِ جَفَافِ الْمِشْمِشِ، قَالَ: وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ.