ج / 10 ص -243- فَيَأْتِي الْمُتَبَايِعَانِ إلَى النَّخْلِ وَيَحْزِرَانِهَا وَيَقُولَانِ: فِيهَا الْآنَ وَهِيَ رُطَبُ سِتَّةِ أَوْسُقٍ مَثَلًا، وَإِذَا يَبِسَتْ وَجَفَّتْ صَارَتْ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ، فَتُبَاعُ بِأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ تَمْرًا فَإِنْ زَادَهُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ مُدًّا أَوْ نَقَصَهُ مُدًّا لَمْ يَجُزْ لِظُهُورِ التَّفَاضُلِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الرُّطَبِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. فَأَمَّا خَرْصُهُ رُطَبًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ خُرِصَ مَا يَجِيءُ مِنْهُ جَافًّا فَسَيَأْتِي فِيهِ شَيْءٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ مِمَّا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ الْخَرْصِ مُسْتَوْفًى مِنْ بَابِ زَكَاةِ النَّبَاتِ.
الثاني: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ، لِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَبِيعُ ذَاكَ بِقَدْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا، وَمُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا"هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا، قَالَ الْبُخَارِيُّ:"وَقَالَ ابْنُ إدْرِيسَ: لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكَيْلِ مِنْ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالْجُزَافِ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِالْأَوْسُقِ الْمُوسَقَةِ"هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسُقَ لَا تَكُونُ إلَّا كَيْلًا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا لِلتَّعَذُّرِ، فَيَجِبُ فِي الْآخَرِ عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنْ تُرِكَ الْكَيْلُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِكَثْرَةِ الْغَرَرِ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا تَقْلِيلُ الْغَرَرِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ جُزَافًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ.
وَابْنُ إدْرِيسَ الَّذِي نَقَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ، وَعَلَى ذِهْنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إنَّهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَوْضِعُهُ الْآنَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِقَدْرِ مَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرًا، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الرُّطَبِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعَرَايَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ بِخَرْصِهَا رُطَبًا، وَيُعْطَى تَمْرًا خِرْصَهُ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْهُمْ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِتَمْرٍ مِثْلِ الرُّطَبِ الَّذِي عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ، خُولِفَ الْأَصْلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى قِصَّةِ الدَّلِيلِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ خِلَافُ هَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَخْفَى، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ يَكُونُ خَرْصُهَا تَمْرًا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ عِنْدَهُمْ، قَالَ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الْعَشْرِ وَالصَّحِيحُ ثَمَّ - خَرْصُهُ تَمْرًا.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَابَضَا فَمَتَى تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الْعَقْدُ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى وَالْأَصْحَابُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ، وَالتَّقَابُضُ فِي التَّمْرِ ظَاهِرٌ بِالْكَيْلِ وَالنَّقْلِوأما: فِي الرُّطَبِ الَّذِي عَلَى النَّخْلِ فَبِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرَى وَبَيْنَ النَّخْلَةِ، هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي الْأُمِّ: وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلِيُسَلِّمَ إلَيْهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي الْأُمِّ: وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا حَتَّى تُقْبَضَ النَّخْلَةُ بِثَمَرِهَا، وَيَقْبِضَ صَاحِبُ النَّخْلَةِ التَّمْرَ بِكَيْلِهِ. وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ إلَى الْجَذَاذِ وَبَحْثُهُ فِي ذَلِكَ كَافٍ.