ج / 1 ص -225- الْمَعْقُوصِ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ بِالْعِمَامَةِ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ رضي الله عنه أَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ"، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَأْسٍ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا يُلْحِقُ الْمَشَقَّةَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ مُنْفصل: عَنْهُ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ ."
الشرح: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِ الْمُغِيرَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا يُلْحِقُ الْمَشَقَّةَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْجَبِيرَةِ عَلَى كَسْرٍ. وَقَوْلُهُ:"حَائِلٍ مُنْفصل": احْتِرَازٌ مِنْ مَسْحِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَالْعُضْوُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ."
فَأَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا كَانَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ مَسَحَ النَّاصِيَةَ كُلَّهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ سَوَاءٌ لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ حَدَثٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا فَهِيَ كَالْعِمَامَةِ فَيَمْسَحُ بِنَاصِيَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا، صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ، وَهَكَذَا حُكْمُ مَا عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ وَلَمْ يَمْسَحْ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ فَلَا يُجْزِيهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَذَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْقَاسِمِ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ رضي الله عنهم، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَدَاوُد، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو أُمَامَةَ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، ثُمَّ شَرَطَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ لُبْسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهَا مُحَنِّكَةً أَيْ: بَعْضُهَا تَحْتَ الْحَنَكِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ بِلَالٍ رضي الله عنه قَالَ:"رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمْ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ وَالتَّسَاخِينُ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْخِفَافُ وَعَنْ بِلَالٍ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَالْمُوقُ بِضَمِّ الْمِيمِ خُفٌّ قَصِيرٌ، قَالُوا وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ سَقَطَ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ كَالرِّجْلِ فِي الْخُفِّ.