ج / 1 ص -226- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] وَالْعِمَامَةُ لَيْسَتْ بِرَأْسٍ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ طَهَارَتُهُ الْمَسْحُ فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ فِي التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ مُنْفصل: عَنْهُ كَالْيَدِ فِي الْقُفَّازِ، وَالْوَجْهِ فِي الْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْأَحَادِيثِ فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا اخْتِصَارٌ، وَالْمُرَادُ مَسْحُ النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ لِيُكْمِلَ سُنَّةَ الِاسْتِيعَابِ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَسَنٌ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ الْعِمَامَةَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالْقِطْرِيَّةُ بِكَسْرِ الْقَافِ نَوْعٌ مِنْ الْبُرُودِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهَا حُمْرَةٌ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَكَيْفَ يُظَنُّ بِالرَّاوِي حَذْفُ مِثْلِ هَذَا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ وُجُوبُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ مَعَ الْعِمَامَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَسْحُ الْعِمَامَةِ وَلَمْ تَذْكُرْ النَّاصِيَةَ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ، وَمُحْتَمِلًا لِمُخَالِفَتِهَا، فَكَانَ حَمْلُهَا عَلَى الِاتِّفَاقِ وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ أَوْلَى، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا حَذَفَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ النَّاصِيَةِ لِأَنَّ مَسْحَهَا كَانَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ لَهُمْ وَكَانَ الْمُهِمُّ بَيَانَ مَسْحِ الْعِمَامَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالْأَصْلُ أَنَّ اللَّهَ تعالى: فَرَضَ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا يُتْرَكُ الْيَقِينُ بِالْمُحْتَمَلِ، قَالَ هُوَ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: وَقِيَاسُ الْعِمَامَةِ عَلَى الْخُفِّ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَزْعُهُ بِخِلَافِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ:
إحداها: الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي صِفَةِ؛ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا سَبَقَ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى: فِي الْبُوَيْطِيِّ وَذَكَرِهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَتُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خِمَارِهَا حَتَّى يَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ، فَلَوْ وَضَعَتْ يَدَهَا الْمُبْتَلَّةَ عَلَى خِمَارِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ لَمْ يَصِلْ الْبَلَلُ إلَى الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِئْهَا وَإِنْ وَصَلَ فَهِيَ كَالرَّجُلِ إذَا وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ عَلَى رَأْسِهِ إنْ أَمَرَّهَا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ كَفَاهُ مَسْحُ أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلدَّارِمِيِّ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمسألة:فِي فصل: غَسْلِ الْوَجْهِ .
الثالثة: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ لِمَسْحِ الرَّأْسِ، فَلَهُ الْمَسْحُ بِأَصَابِعِهِ وَبِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ يَمْسَحُهُ لَهُ غَيْرُهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: أَوْ يَقِفُ تَحْتَ الْمَطَرِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ وَيَنْوِي الْمَسْحَ فَيُجْزِئُهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَطَّرَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَبُلَّ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ أَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. لِأَنَّهُ فِي