ج / 1 ص -227- مَعْنَى الْمَسْحِ. وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إجْزَاءِ الْغَسْلِ، قَالَ: لِأَنَّهُ فَوْقَ الْمَسْحِ، فَإِجْزَاءُ الْمَسْحِ مَبْنِيٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْغَسْلِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ إجْزَاءُ الْغَسْلِ فَقَدْ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَهَلْ يُكْرَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ: وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ سَرَفٌ كَالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ، وَلَمْ يَذْكُرْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ غَيْرَهُ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي"الوجيز"وَالرَّافِعِيُّ. وَأَمَّا غَسْلُ الْخُفِّ بَدَلَ مَسْحِهِ فَمَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ تَعْيِيبٌ لَهُ بِلَا فَائِدَةٍ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّف رحمه الله تعالى:"ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ1 بْنُ مَعْدِيكَرِبَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ"وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ لِمَا رُوِيَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَمْسَكَ مُسَبِّحَتَيْهِ بِأُذُنَيْهِ"وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَتَمَيَّزُ عَنْ الرَّأْسِ فِي الِاسْمِ وَالْخِلْقَةِ فَلَا يَتْبَعُهُ فِي الطَّهَارَةِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَقَالَ فِي"الأم"وَالْبُوَيْطِيِّ: وَيَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ مَاءً جَدِيدًا غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ ظَاهِرَ الْأُذُنِ وَبَاطِنَهُ؛ لِأَنَّ الصِّمَاخَ فِي الْأُذُنِ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي الْوَجْهِ، فَكَمَا أَفْرَدَ الْفَمَ وَالْأَنْفَ عَنْ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ فَكَذَلِكَ الصِّمَاخُ فِي الْأُذُنِ فَإِنْ تَرَكَ مَسْحَ الْأُذُنِ جَازَ، لِمَا رُوِيَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ"وَلَيْسَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ تعالى: مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ"
الشرح: أَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ فَحَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنَاهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا"قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جَمَعْتهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْمِقْدَامُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مِيمٌ أُخْرَى وَكَرِبُ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْبَاء مَضْمُومَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا يَاءُ مَعْدِي فَسَاكِنَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْمِقْدَامُ مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَهُوَ كِنْدِيٌّ شَامِيٌّ حِمْصِيٌّ يُكَنَّى أَبَا كَرِيمَةَ وَقِيلَ: أَبَا صَالِحٍ، وَقِيلَ: أَبَا يَحْيَى، وَقِيلَ أَبَا بِشْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، ابْنُ إحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ:"رُوِيَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَمْسَكَ مُسَبِّحَتَيْهِ بِأُذُنَيْهِ"فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ"المهذب"الْمَشْهُورَةِ وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَهُنَا نُكْتَةٌ خَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ الْعِنَايَةِ بِ"المهذب"وَهِيَ أَنَّ مُصَنِّفَهُ رَجَعَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَسْقَطَهُ عَنْ"المهذب"فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ بَعْدَ انْتِشَارِ الْكِتَابِ، قَالَ: وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ فِي هَذِهِ الْمسألة:مِنْ تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ فِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النسخة المطبوعة من"المهذب" (المقداد) وهو خطأ (ط)