فهرس الكتاب
ج / 10 ص -264- رضي الله عنه وَفِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ شَكٌّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ"شَكَّ فِيهِ دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فِي حُكْمِ مَا زَادَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْجَمِيعِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ تَجُزْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِعُمُومِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ"."
الشرح: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رحمهما الله مِنْ حَدِيثِ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى1 ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ"هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ:"رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ"فَشَكَّ دَاوُد، وَقَالَ:"خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ"وَالْقَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَأَلْزَمَ بِهِ الشَّافِعِيَّ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي كِتَابِ الصَّرْفِ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ2 السَّادِسِ مِنْ الْأُمِّ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ، قَالَ: وَلَا يَشْتَرِي مِنْ الْعَرَايَا إلَّا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِشَيْءٍ مَا كَانَ، فَإِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ جَازَ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَيْضًا: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الرُّطَبَ بِتَمْرٍ نَقْدًا مَا كَانَ خَرْصُهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ يَأْكُلُهُ رُطَبًا، وَلَكِنَّ الْمُزَنِيَّ أَلْزَمَهُ بِحَسَبِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنَّ لَفْظَهُ فِيهِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ الْعَرِيَّةُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَا أَفْسَخُهُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ؛ لِأَنَّهَا شَكٌّ وَهَذَا النَّصُّ مَنْقُولٌ مِنْ الْأُمِّ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَثِيرُونَ جَزَمُوا بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ طُرُقَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه كُلَّهَا عَلَى الشَّكِّ، فَالْجَوَازُ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، إنْ كَانَ الثَّابِتُ خَمْسَةً أَوْ دُونَ الْخَمْسَةِ، فَدُونَ الْخَمْسَةِ جَائِزٌ، إمَّا نَصًّا وَإِمَّا ضِمْنًا، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ، فَالنَّهْيُ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ الْغَرَرِ وَعَنْ الرِّبَا، وَوَجْهُ الْقِيَاسِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْخَمْسَةَ تَرَدَّدَ إلْحَاقُهَا بَيْنَ النَّاقِصِ عَنْهَا وَالزَّائِدِ عَلَيْهَا، وَقَدْ عُهِدَ مِنْ الشَّرْعِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّائِدِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ وَجَعَلَهَا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْحَقَ بِهِ هَهُنَا وَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِالنَّاقِصِ الَّذِي لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ نَظِيرٌ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ الْأُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَانَ كَافِيًا فِي التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ وَقَدْ اُعْتُضِدَ بِهَا؟.
وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو دَاوُد فِي بَعْضِ نُسَخِ كِتَابِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَأَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا ثُمَّ قَالَ: الْوَسْقُ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ"وَاحْتَجَّ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو سفيان الأسدي مولى ابن أبي أحمد اسمه وهب يروي عن أبي هريرة وأبي سعيد وعنه داود بن الحصين وحبيب بن أبي ثابت وثقه أحمد واسم أبي أحمد عتبيد الله بن أبي أحمد بن جحش (ط) .
2 هو الجزء الثالث من مطبوعة بولاق وهو جزء البيوع (ط) .