فهرس الكتاب

الصفحة 3574 من 4102

ج / 10 ص -265- رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا صَدَقَةَ فِي الْعَرِيَّةِ، وَالْخَمْسَةُ الْأَوْسُقِ ثَبَتَ فِيهَا الصَّدَقَةُ"وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْرِفُهُ، وَسَأَذْكُرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْقَوْلِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِمَّنْ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ فِي حِلْيَتِهِ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالنَّوَوِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُ الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ.

تَنْبِيهٌ: نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ الْمَنْعِ وَمُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ: وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمُخْتَارُ - الْمَنْعُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُخْتَارُ الْمُزَنِيِّ فِي مُقَابَلَةِ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله - لَا أَنَّهُ مُخْتَارُ الرَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، وَكَلَامُهُ وَاسْتِقْرَاءُ عَادَتِهِ يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا بَعْدُ يَمِيلُ إلَى تَرْجِيحِ الْمَنْعِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالْقَاضِي الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ يُوجَدُ مِنْهَا بَعْضُ تَرْجِيحٍ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا تَرْجِيحَ فِيهَا أَيْضًا، وَالْقَوْلُ [الَّذِي] جَزَمَ بِهِ كَثِيرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رحمه الله -، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ نَصِّهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأُمِّ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْعَرِيَّةِ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ دُونَهَا؛ لِأَنَّ لَيْسَ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَعَلَّهُ فِي الْأُمِّ فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ أُمْعِنْ الْكَشْفَ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَعَ كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ، بَلْ كَأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ فِي ذَلِكَ لِلشَّكِّ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ لَا يَقُولُ بِفَسْخِهِ لِأَجْلِ الشَّكِّ، فَهَذَا هُوَ التَّوْفِيَةُ بِمُقْتَضَى الشَّكِّ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهِ بِإِبَاحَةٍ وَلَا تَحْرِيمٍ، وَتَكُونُ"أَوْ"فِي كَلَامِهِ لِلشَّكِّ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ يَعْنِي لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ الْمُحْتَمَلِ، وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ جَعَلُوا ذَلِكَ قَوْلًا بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ، وَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه لَمْ يَنْظُرْ إلَى الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا إلَى الْقِيَاسِ. أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُزَابَنَةِ فَلِأَنَّهُ وَرَدَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ الْعَرَايَا، وَالْعَرَايَا قَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي مِقْدَارِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ كَتَخْصِيصِ الْعَامِ بِمُجْمَلٍ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ، كَذَلِكَ هُنَا يَمْتَنِعُ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ فِي الْخَمْسَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

فَالشَّكُّ الَّذِي فِي مِقْدَارِ الرُّخْصَةِ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي مِقْدَارِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَيَعْدِلُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ نَبَّهَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ، لِمَا اُعْتُقِدَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ عَوْدِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْكُلِّ أَوْ إلَى الْأَخِيرِ، وَحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَّا إلَى الْأَوْلَادِ لِأَجْلِ التَّرَدُّدِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بَحْثٌ جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ شَيْخِنَا أَيْ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا"وَرَامَ الِاسْتِدْلَالَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى شَكَّ فِي شَرْطٍ وَجَبَ إدْرَاجُهُ فِي الْعُمُومِ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِمَا ذَكَرْتُهُ مَعَ الْمُرَجَّحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْ الْمُزَابَنَةِ فِي مَجْلِسٍ وَالتَّرْخِيصُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ - لَمْ يُقْدَحْ فِي التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، بَلْ الرَّاوِي قَالَ: إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا، وَالرَّاوِي الْآخَرُ شَكَّ فِي مِقْدَارِهَا، وَلَعَلَّهُمَا حَكَيَا قِصَّةً وَاحِدَةً فَتَطَرَّقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت