فهرس الكتاب
ج / 10 ص -266- الشَّكُّ إلَى عُمُومِ النَّهْيِ، فَيُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى عُمُومِ حَدِيثِ سَهْلٍ إلَّا فِيمَا قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَاقْتَضَاهُ النَّهْيُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ أَأَخَصُّ مِنْهُ مَعَ تَفَاقُمِ أَكْثَرِ الْأَغْرَارِ أُبِيحَتْ وَأُخْرِجَتْ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، وَأَوْلَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ التَّحْرِيمُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَخُصُّ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ فَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ بِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَهْدُ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهَا مَحِلًّا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلْتَكُنْ مَحِلًّا لِجَوَازِ الْبَيْعِ، وَأَمَّا دُونَ الْخَمْسَةِ فَلَمْ يُعْهَدْ اعْتِبَارُهُ، وَإِلْحَاقُ الْجَوَازِ فِي الْخَمْسَةِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِ الْمَنْعِ فِيهَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَشْبَهُ بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ جَوَازٌ مُتَأَكَّدٌ بِالطَّلَبِ، وَوَجْهُ الْعُمُومِ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ قَوْلُهُ: رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَأَكْثَرُ، خَرَجَ الْأَكْثَرُ بِدَلِيلٍ يَقِينًا فِيمَا عَدَاه عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ قَارَنَ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ صَرِيحًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ، وَإِلَّا فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَالْخَصْمُ لَا يَقُولُ بِهِ.
واعلم: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَمَحُّلٌ، وَالْإِنْصَافُ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَأَنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَ فِي كُلِّهَا الِاسْتِثْنَاءُ، فَيَبْقَى الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَرِدَ مُبِيحٌ، وَكَثْرَتُهَا تَقْتَضِي الْجَزْمَ فَإِنَّهَا أَحَادِيثُ لَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ زَيْدٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي يَأْتِي عَقِيبَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ الرُّخْصَةِ عَنْ النَّهْيِ، قَالَ فِيهِ:"رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ التَّمْرِ"يَعْنِي بَعْدَ النَّهْيِ عِنْدَ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَاحَ الْخَمْسَةَ لَحَفِظَهُ اللَّهُ - تَعَالَى حَتَّى يَصِلَ إلَيْنَا مُثْبَتًا. وَحَكَى الْقَفَّالُ أَنَّ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ هَهُنَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَرَدَ أَوَّلًا، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا، أَوْ لَمْ يَرِدْ النَّهْيُ إلَّا وَالرُّخْصَةُ مَعَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ، حَكَاهُ عَنْ الْقَفَّالِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى مَا قُلْته مِنْ الْبَحْثِ وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْعِبَارَةِ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: إنَّ الْخَبَرَ يَعْنِي خَبَرَ الْمُزَابَنَةِ هَلْ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ؟ يَعْنِي فِي قَدْرِ الْعَرِيَّةِ فِيهِ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ: الثَّانِي وَمُرَادُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قُلْت: إنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ نَسْخًا، بَلْ قَدْ تَكُونُ تَخْصِيصًا وَإِنْ تَأَخَّرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ أَنَّ الْقَفَّالَ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، وَزَعَمَ الْإِمَامُ أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ التَّصْحِيحُ فِي الْخَمْسَةِ، وَأَنَّ تَوْجِيهَهُ عَسِيرٌ جِدًّا، وَأَخَذَ يَتَخَيَّلُ بِأَنْ يُحِيلَ الْمُزَابَنَةَ عَلَى مُعَامَلَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ التَّحَرِّي مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ فِي