فهرس الكتاب
ج / 10 ص -267- الْخَرْصِ، وَأَنْ يَتَخَيَّلَ الْخَرْصَ مُتَفَاضِلًا فِي دَرْكِ الْمَقَادِيرِ مُعْتَبَرًا فِي الزَّكَاةِ، سِيَّمَا إذَا جَعَلْنَاهُ تَضْمِينًا، وَالْمَاهِرُ يَقِلُّ خَطَؤُهُ، وَالْأَخْرَقُ يَتَفَاوَتُ كَيْلُهُ، وَالْكَيْلُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوَزْنِ كَالْخَرْصِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْكَيْلِ، وَفِي كُلِّ حَالَةٍ تَقْدِيرٌ مُعْتَادٌ لَائِقٌ بِهَا، فَلْيَقُمْ الْخَرْصُ فِي الرُّطَبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ مَقَامَ الْكَيْلِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ الْكَيْلُ لِيُسْرِهِ مَعَ إمْكَانِ الْوَزْنِ فَلْيُحْتَمَلْ الْخَرْصُ حَيْثُ لَا يَتَأَتَّى الْكَيْلُ، وَالشَّافِعِيُّ رحمه الله - يَمْنَعُ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا يَتَخَيَّلُهُ مِنْ التَّفَاوُتِ عِنْدَ الْجَفَافِ، مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الْمَآلِ، وَمَا وَرَاءَ الْخَمْسَةِ مَرْدُودٌ بِذِكْرِ الْخَمْسَةِ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ نَصٌّ فِي اقْتِضَاءِ الْمَفْهُومِ، قَالَ: فَهَذَا اقْتَضَى الْإِمْكَانَ فِي تَوْجِيهِ النَّصِّ، وَهُوَ عَلَى نِهَايَةِ الْإِشْكَالِ."
قلت: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ النُّصُوصِ خِلَافُهُ، وَعَلَى مَسَاقِ بَحْثِ الْإِمَامِ وَتَخَيُّلِهِ لَهُ يَكُونُ الْأَصْلُ الْجَوَازَ بِالْخَرْصِ، وَأَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ بِالْمَفْهُومِ، بَقِيَتْ الْخَمْسَةُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ مِنْ الْجَوَازِ وَلَيْسَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى نِهَايَةِ الْإِشْكَالِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرِّهَانِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِهَذَا الْبَحْثِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي النَّقْصِ قَالَ: الْأَصْلُ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ وَأَثْبَتَ الشَّرْعُ الْخَرْصَ لِحَاجَةٍ فِي قَضِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَثْنَاةِ، قَالَ: وَلَكِنْ يَنْقَدِحُ فِي هَذَا الْمَجَالِ أَنَّ الْوَزْنَ أَضْبَطُ مِنْ الْكَيْلِ، ثُمَّ الْكَيْلُ مُتَعَيَّنٌ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مَعَ إمْكَانِ الْوَزْنِ، فَالْخَرْصُ فِي مَحِلِّ الْحَاجَةِ كَالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوَزْنِ، فَلَا يَتَّضِحُ خُرُوجُ الْخَرْصِ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الْقَانُون حَسَبَ إيضَاحِ خُرُوجِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ وَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ حَسَنٍ الصَّنْهَاجِيُّ ثُمَّ الْأَنْبَارِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِهِ: كَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَرْصِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَسْمُوعِ، هَلْ هُوَ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ رُخْصَةٍ؟ أَوْ هُوَ مَعْدُودٌ مِنْ الرُّخَصِ؟ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي مَسَائِلَ: منها: أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَيْنَ مَكِيلٍ وَجُزَافٍ أَوْ يُمْنَعَ ذَلِكَ كَمَا يُمْنَعُ الْبَيْعُ وَالْقِرَاضُ عَلَى رَأْيِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ؟ وَالْمَشْهُورُ - عِنْدَهُمْ عَلَى مَا قَالَ - الْمَنْعُ، بِنَاءً عَلَى الرُّخْصَةِ فِيمَا تَشُقُّ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ: هُوَ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ، وَأَمَّا مَا لَا تَشُقُّ فَلَا يَجُوزُ الْخَرْصُ فِيهِ كَالْمَعْدُودِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ مَثَلًا، أَوْ مُتَفَاوِتَ الْأَجْرَامِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الْخَرْصِ إلَّا فِي مَوْضِعِ تَحَقُّقِ الْمَنْعِ، أَوْ الْأَصْلَ الْمَنْعُ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الْإِبَاحَةِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَذْهَبُ. والثاني: قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ أَيْ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ مَعْنًى عِنْدَهُمْ. قُلْت: وَإِذَا أَخَذَ الْخَرْصَ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ تَرْجِيحُ اعْتِبَارِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْغَرَرِ الْمُجْتَنَبِ لِجَوَازِ إيرَادِ الْعَقْدِ عَلَى الثَّمَرَةِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا قُلْنَا: يَجِبُ النَّقْصُ عَنْ الْخَمْسَةِ فَهَلْ يَكْفِي أَيُّ قَدْرٍ كَانَ أَمْ لَهُ ضَابِطٌ؟ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ