فهرس الكتاب

الصفحة 3577 من 4102

ج / 10 ص -268- الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْأُمِّ: وَلَا يَشْتَرِي مِنْ الْعَرَايَا إلَّا أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِشَيْءٍ مَا كَانَ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ: يَجُوزُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي سِتَّةٍ، وَفِي الْخَمْسَةِ قَوْلَانِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ ضَرْبِ الْمِثَالِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ: وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ مَا يَنْتَهِي بِهِ إلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ فَهُوَ الْمُبَاحُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ فِيهِ الْإِبَاحَةَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ، وَلَعَلَّهُ فِي الْأَوْسَطِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَا جَازَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ جَازَ فِي الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ يَابِسُهُ وَيُمْكِنُ خَرْصُهُ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّمَارِ قَوْلَانِ: أحدهما: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةٌ فَجَازَ بَيْعُ رُطَبِهَا بِيَابِسِهَا خَرْصًا كَالرُّطَبِ. والثاني: لَا يَجُوزُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ:"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الثِّمَارِ لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهَا وَلَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا لِتَفَرُّقِهَا فِي الْأَغْصَانِ وَاسْتِتَارِهَا فِي الْأَوْرَاقِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا خَرْصًا"."

الشرح: حَدِيثُ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَايَا مِنْ الْعِنَبِ كَهِيَ مِنْ التَّمْرِ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ عَلَى أُصُولِهِ خَرْصًا بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَوَّى بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فِي إيجَابِ الْعُشْرِ، وَفِي سَنِّ الْخَرْصِ فِيهِمَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَلْغَيْنَا قَيْدَ ظَاهِرَةٍ بَادِيَةٍ كَالْأَعْذَاقِ فَيُمْكِنُ خَرْصُهَا وَالْإِحَاطَةُ بِهَا. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ادِّخَارَ الْيَابِسِ مِنْهُ، وَإِمْكَانَ الْخَرْصِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُنَاسِبَانِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ. وَوَافَقَنَا عَلَى إلْحَاقِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، هَلْ جَازَتْ فِي الْكَرْمِ نَصًّا؟ وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا"، وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ. وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا جَازَتْ فِي الْكَرْمِ قِيَاسًا.

قلت: وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِمَّنْ جَعَلَا ذَلِكَ نَصًّا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّصِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، بَلْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِي النَّخِيلِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَرْمِ، بَلْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ"فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ فَصَلَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَجَعَلَهُ مَعَ بَقِيَّةِ الثَّمَرِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

نَعَمْ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ:"وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا، وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ خَرْصُهُ"ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت