فهرس الكتاب
ج / 10 ص -269- الْمُزَابَنَةُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ إلَّا الْعَرَايَا، وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مَاضِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُثْبِتَةٌ لِمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ:"وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ"فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ عَامٌّ فِي الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ إلْحَاقُ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ، فَمَنْ يَمْنَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِلْحَاقِ هَهُنَا إلَّا بِدَلِيلٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي تُجَفَّفُ مِثْلَ الْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْمِشْمِشِ فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى شَجَرِهِ بِخَرْصِهِ جَافًّا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أحدهما: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ، وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إنَّهَا الْمَشْهُورَةُ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ حُكْمُ قَوْلَيْنِ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ تَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى أَكْلِهَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهَا، وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُنَاسَبَةٌ لِشَبَهِ الْحَاجَةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله: لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ فَتَعْلِيلٌ لِمُجَرَّدِ الِاسْمِ، وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ - فَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، فَلَوْ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَانَ أَوْلَى، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
والثاني: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْأُمِّ الْمَنْسُوبِ إلَى الصَّرْفِ، قَالَ: وَلَا تَكُونُ الْعَرَايَا إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا، وَسَيَأْتِي عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَلْوِيحًا إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَغَوِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ وَيَكُونَ قِيَاسُهُ عَلَى الرُّطَبِ حِينَئِذٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَتَّفِقْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَصَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ ظَهَرَ لَهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَوْجَبْنَا الْأَخْذَ بِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ.
وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمَّا رَأَوْا إلْحَاقَ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ ظَاهِرًا قَوِيًّا لَمْ يَتْرُكُوهُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَمَّا كَانَ إلْحَاقُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّمَارِ لَيْسَ بِجَلِيٍّ قَدَّمُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّ الْأَصْحَابَ بَنَوْا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْخَرْصَ هَلْ يَجْرِي فِي ثِمَارِ سَائِرِ الْأَشْجَارِ؟ إنْ قُلْنَا: لَا يَجْرِي امْتَنَعَ الْبَيْعُ لِلْجَهَالَةِ، وإن قلنا: يَجْرِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّا هَلْ نَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِتْبَاعِ أَوْ نَتْبَعُ طَرِيقَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ؟ فَمَنْ سَلَكَ الْإِتْبَاعَ مَنَعَ، وَمَنْ جَوَّزَ الرَّأْيَ سَوَّغَ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْخِلَافَ فِي الْخَرْصِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله - قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ