فهرس الكتاب
ج / 10 ص -270- الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَلَا الْإِمَامُ، قَالَ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي مَوْضِعٍ مَا، وَلَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا.
قُلْت: وَالْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ مَسْبُوقَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، لَكِنَّ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ: إنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِمَّا سِوَى الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ سَائِرَ الثِّمَارِ لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ أَنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ، كَذَلِكَ فَرَضَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْإِمَامُ فِي الْجَافِّ بِالرُّطَبِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْجَافِّ مَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَرَايَا بَيْعُ رُطَبٍ بِيَابِسٍ، وَالْيَابِسُ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ لَا يُرْغَبُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا، إنْ أَرَادَ عَدَمَ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْخَرْصُ فَصَحِيحٌ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِخَرْصٍ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ رُطَبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ كَمَا يُدْرَكُ عِلْمُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْإِمْكَانِ الْحِسِّيِّ فَقَدْ يُمْنَعُ. نَعَمْ هُوَ عَسِيرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْعِلَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْخَرْصُ فِيهِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الِاسْتِتَارُ فِي الْأَوْرَاقِ وَعَدَمِ الظُّهُورِ، وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْعُشْرَ لَا يَجِبُ فِيهَا وَلَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِيهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي إلْحَاقِ الْعِنَبِ وَقَطْعِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ عَنْ الْإِلْحَاقِ إلَى كَوْنِ الْعِنَبِ يُخْرَصُ، وَهِيَ لَا تُخْرَصُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ وَالرُّويَانِيِّ، وَنَقَلَهُ الْعُمْرَانِيُّ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ، وَمِنْ الْجَازِمِينَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ، وَفَرَّقَ الْمَحَامِلِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُوِّزَتْ الْمُسَاقَاةُ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَيَسْقِيهَا وَيَتَعَهَّدُهَا، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَيْعُ الْعَرَايَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالْخَرْصِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الثِّمَارِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالظَّاهِرُ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ الْأُمِّ:"وَكُلُّ ثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِثْلُ الْفِرْسِكِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْإِجَّاصِ وَذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّهَا لَا تُخْرَصُ لِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا، وَالْحَائِلِ مِنْ الْوَرِقِ دُونَهَا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَا وُصِفَتْ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: هِيَ لَمْ تُخْرَصْ، فَقَدْ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كَانَ مَذْهَبًا". هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ بِحُرُوفِهِ.