فهرس الكتاب
ج / 10 ص -271- وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهُ تَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلٍ آخَرَ بِالْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ الْمَنْعُ، وَمُقْتَضَى تَجْوِيزِ الْعَرَايَا فِيهَا جَوَازُ الْخَرْصِ فِيهَا، وَإِلَّا فَكَيْفَ تُبَاعُ الْعَرَايَا؟ وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرَّمَ مِنْ غَيْرِهَا، أَيْ مَا يُبَاعُ بِالتَّحَرِّي، هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ الْأُمِّ وَنُسْخَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْهَا أَيْضًا، وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَخَّصَ مِنْهَا فِي شَيْءٍ حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَا يَنْسَاغُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَنَّ بَيْعَهَا بِجِنْسِهَا بِالتَّحَرِّي غَيْرُ جَائِزٍ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهَا جَائِزٌ. وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ بِشْرِي الْمِصْرِيَّ فِي كِتَابِهِ الْمُخْتَصَرِ الْمُنَبَّهِ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ، نَقَلَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ بِصِيغَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ:"وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: هِيَ وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي، فَأُجِيزُهُ، كَانَ مَذْهَبًا"فَأَسْقَطَ لَفْظَةً مِنْهَا وَاسْتَقَامَ الْمَعْنَى، وَصَارَ الْمَعْنَى: لِأَنَّهُ كَمَا رَخَّصَ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي جَازَ فِيهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَجْهِ الْإِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا كَانَ مَذْهَبًا وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِي فَهْمِهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنْ قُلْتَ: إنَّهُ يَجِبُ إذَا مَنَعْنَا الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ، وَقَوْلٌ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَاسَ الْعِنَبُ عَلَى الرُّطَبِ، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ فِي مَذْهَبِنَا، وَأَجَابَ بِأَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ، إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ فِي الْقَدِيمِ، وَجَوَابُهُ لَعَلَّهُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّطَبِ.
قُلْت: وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا، وَتَرْجِيحُ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، وَأَمَّا كَوْنُ الشَّافِعِيِّ لَهُ قَوْلٌ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ فَلَمْ أَعْلَمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِذَلِكَ، وَلَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي نَقْلٍ مُعْتَمَدٍ، وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَابٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى قِيَاسَ الْعَرَايَا مِنْ قِسْمِ مَا اسْتَثْنَى عَنْ قَاعِدَةٍ سَابِقَةٍ، وَيَتَطَرَّقُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ مَعْنًى فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَارَتْ بَيْنَ الْمُسْتَقِرِّ وَمُشَارِكِ الْمُسْتَثْنَى فِي عِلَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمَثَّلَ بِالْعَرَايَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَاسِخًا لِقَاعِدَةِ الرِّبَا لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ لِلْحَاجَةِ، فَنَقِيسُ الْعِنَبَ؛ لِأَنَّا نَرَاهُ فِي مَعْنَاهُ، نَعَمْ لَنَا رُخَصٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَا لِأَجْلِ أَنَّهَا رُخَصٌ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شُرُوطُ الْقِيَاسِ كَرُخَصِ السَّفَرِ وَالْمَسْحِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَالْغُرَّةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقَسَامَةِ وَنَظَائِرِهَا وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ، مِنْ قِسْمٍ تَرْجَمَ الْغَزَالِيُّ عَنْهُ بِالْقَوَاعِدِ الْمُبْتَدَأَةِ الْعَدِيمَةِ النَّظِيرِ، فَهَذِهِ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ فِيهَا لِعَدَمِ نَظِيرِهَا، وَلَيْسَ كُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ، فَلَعَلَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقِيسُ فِي الرُّخَصِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى هَذَا النَّقْلِ إلَّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَا تَجُوزُ الْعَرِيَّةُ فِي الزَّرْعِ بِخِلَافِ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ؛ لِأَنَّ أَعْذَاقَهَا وَعَنَاقِيدَهَا مُجْتَمَعَةٌ بَارِزَةٌ.