فهرس الكتاب
ج / 10 ص -275- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُ وَتُسَخِّنُهُ. فَإِنْ بِيعَ كَيْلًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْكَيْلِ فِي حَالِ الِادِّخَارِ. وَإِنْ بِيعَ وَزْنًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْكَيْلُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَزْنًا. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ تَعْقِدُ مِنْ أَجْزَاءِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ فَيُجْهَلُ التَّسَاوِي".
الشرح: فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ مَا حَرُمَ فِيهِ الرِّبَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ: لَا يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَطْبُوخًا بِنِيءٍ مِنْهُ بِحَالٍ. قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا. وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا فَأَعْطَيْتَ مِنْهُ نِيئًا بِمَطْبُوخٍ فَالنِّيءُ إذَا طُبِخَ يَنْقُصُ فَيَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ فِي النِّيءِ. وَمَنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ أَوْ الْعَصِيرَ بِالدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ التَّمْرُ بِالدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ. قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ النِّيءَ أَوْ الْقَدِيدَ بِالْمَطْبُوخِ أَوْ بِالْمَشْوِيِّ لَا يَجُوزُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْبُوخُ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ مِمَّا لَا يُدَّخَرُ.
وأما قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّهُ خَطَأٌ فِي النَّقْلِ، بَلْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ قَبْلَ عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ: وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَطْبُوخًا مِنْهُ بِنِيءٍ بِحَالٍ، وَلَا مَطْبُوخٌ طُبِخَ لِيُدَّخَرَ مَطْبُوخًا، فَنَقَلَ الْمُزَنِيّ هَذَا وَقَدَّمَ بَعْضَ الْكَلَامِ وَأَخَّرَ بَعْضَهُ، وَعَطَفَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ: مَعْنَى مَا نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دَاوُد وَقَصَدَ بِهِ بَيَانَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ.
قُلْت: وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ فِي الْأُمِّ فِي تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ. فَالْوَجْهُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ وَعَدَمُ حَمْلِهِ عَلَى الْخَطَأِ مِنْ الْمُزَنِيِّ، وَتَأْوِيلُهُ عُسْرٌ، بَلْ هُوَ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا يُدَّخَرُ فِي حَالِ كَوْنِهِ نِيئًا وَفِي حَالِ كَوْنِهِ مَطْبُوخًا، يَجُوزُ بَيْعُ النِّيءِ مِنْهُ بِالْمَطْبُوخِ، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ هُوَ أَقْرَبُ مَا يُتَمَحَّلُ مَعَ تَكَلُّفٍ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهِ إلَى مَا ذَكَرَهُ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَاسَهُ عَلَى الْحِنْطَةِ بِدَقِيقِهَا، وَالْجَامِعُ أَنَّهُمَا عَلَى صِفَةٍ يَتَفَاضَلَانِ حَالَةَ الِادِّخَارِ. وَمَنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْعُ الدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ بِخَلِّ الْعِنَبِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، قَالَ: وَحَكَى فِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدِّبْسِ بِالْخَلِّ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالطَّبْعِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَعَلَى هَذَا لَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ مُوَافِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي سَيَأْتِي عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ وَخَلَّهُ جِنْسَانِ، مَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ هُنَاكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْمُخْتَصَرِ، قَالَ تِلْوَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَا مَطْبُوخًا مِنْهُ بِمَطْبُوخٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ تُنْقِصُ مِنْ بَعْضٍ أَكْثَرَ مِمَّا تُنْقِصُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهُ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا، كَمَا يَكُونُ لِلتَّمْرِ فِي الْيُبْسِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا. وَقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْأَدِلَّةِ فِي بَابِ مَا يُجَامِعُ التَّمْرَ وَمَا يُخَالِفُهُ، مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ التَّمْرِ، حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ