فهرس الكتاب

الصفحة 3585 من 4102

ج / 10 ص -276- وَإِنْ كَانَتْ الشَّمْسُ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْهُمَا، فَرُبَّمَا يَكُونُ أَخْذُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِهَا مِنْ الْآخَرِ، لَكِنَّ لَهُ غَايَةً فِي الْيُبْسِ يَنْتَهِي إلَيْهَا، وَالْمَطْبُوخُ بِخِلَافِهِ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فَرْقًا آخَرَ بَيْنَ الْعَصِيرِ الْمَطْبُوخِ وَبَيْنَ التَّمْرِ، فَإِنَّ التَّمْرَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ تَمْرًا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَالرُّطَبُ أَوْ الدِّبْسُ مَثَلًا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي كَوْنِهِ عَصِيرًا، فَجَرَتْ حَالَةُ الْعَصِيرِ بَعْدَ الطَّبْخِ لِحَالَةِ التَّمْرِ وَهُوَ رُطَبٌ، فَلَا يَجُوزُ الدِّبْسُ بِالدِّبْسِ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَإِنْ طُبِخَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ، وَفِي مَعْنَى الدِّبْسِ عَصِيرُ قَصَبِ السُّكَّرِ إذَا عُقِدَ وَصَارَ عَسَلًا، وَكَذَلِكَ مَاءُ الرُّطَبِ وَعَصِيرُ الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ.

فرع: قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: بَيْعُ الطِّلَى بِالدِّبْسِ لَا يَجُوزُ، وَالطِّلَاءُ أَرَقُّ مِنْ الدِّبْسِ، وَبَيْعُ الطِّلَى بِمِثْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَبَيْعُ الْخَلِّ بِالدِّبْسِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَبَيْعُ الْعَصِيرِ بِالْخَلِّ وَلَا مَاءَ فِيهِمَا فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَطْبُوخِ بِالنِّيءِ، وَلَا بِالْمَطْبُوخِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ1 بِالْمَشْوِيِّ وَالنِّيءِ وَالْمَطْبُوخِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَشْوِيِّ بِالْمَشْوِيِّ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجَزَمُوا بِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّاطِفِ بِالنَّاطِفِ، وَلَا الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ، وَلَا بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ، لِتَغَيُّرِهَا عَنْ هَيْئَتِهَا وَاخْتِلَافِ الْحَبَّاتِ فِي الْيَابِسِ بِالنَّارِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَطْبُوخَةِ بِالْمَطْبُوخَةِ، وَالْمَشْوِيَّةِ بِالْمَشْوِيَّةِ، وَالْمَقْلِيَّةِ بِالْمَبْلُولَةِ، وَالْمَبْلُولَةِ بِالْمَشْوِيَّةِ. وَأَمَّا بَيْعُ الْمَبْلُولَةِ بِالْمَبْلُولَةِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، صَرَّحَ بِجَمِيعِ الْأَمْثِلَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ. وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ لَا خِلَافَ فِيهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ إلَّا الدِّبْسَ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي ادَّعَى الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَإِنْ طُبِخَا فِي قَدْرٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.

والثاني: حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ إنْ طُبِخَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَأَبْطَلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ مَا فِي أَسْفَلِ الْقِدْرِ أَسْخَنُ مِمَّا فِي أَعْلَاهُ، لِكَثْرَةِ مُمَاسَّةِ النَّارِ.

والوجه الثالث: حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ الْجَوَازُ، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ ادِّخَارِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ فِي تَعْلِيلِ الْمَنْعِ مُطْلَقًا أَنَّ الْعَصِيرَ كَامِلٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى مِقْدَارٍ مِنْ الدِّبْسِ مُقَابَلَةَ مِثْلِهِ فَلَا يُدْرَى كَمْ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْعَصِيرِ، وَكَمْ فِي الدِّبْسِ مِنْهُ، فَكَانَ كَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ نَظَرًا إلَى تَوَقُّعِ تَفَاوُتٍ فِي كَمَالِ سَبْقِ الْحَبِّ، قَالَ: وَلَوْ قِيلَ: قَدْ يُخَالِفُ مِكْيَالٌ مِنْ الدِّبْسِ مَكِيلًا فِي الْوَزْنِ لِتَفَاوُتٍ فِي التَّعْقِيدِ لَكَانَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُعَقَّدَ يُبَاعُ وَزْنًا بِالتَّعْوِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ مُلَاحَظَةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 هذه العبارة فيها تناقض ولعله سقط منها (لا) النافية فتكون"ولا يجوز بيعه بالمشوي"والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت