فهرس الكتاب
ج / 10 ص -277- كَمَالِ الْعَصِيرِ لِإِمْكَانِ ادِّخَارِهِ، وَلِتَأْثِيرِ مَأْخَذِ بَعْضِ الْعَصِيرِ لِيَصِيرَ دِبْسًا، وَقَدْرُ الْمَأْخُوذِ يَخْتَلِفُ، وَمَنْ فُرُوعِ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ الْحِنْطَةُ الْمَقْلُوَّةُ بِمِثْلِهَا، وَبِالنِّيئَةِ وَبِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ بِمِثْلِهِ وَبِالنِّيءِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَيْعِ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُ فَلَا يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ نَارَ التَّصْفِيَةِ نَارٌ لَيِّنَةٌ لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ إنَّمَا تُمَيِّزُهُ مِنْ الشَّمْعِ، فَصَارَ كَالْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ".
الشرح: الْعَسَلُ إذَا أَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ عَسَلُ النَّحْلِ لَا غَيْرُ، فَكُلُّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ تَمْرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ حَبٍّ جِنْسٌ آخَرُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْعَسَلُ لُعَابُ النَّحْلِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، الْوَاحِدَةُ عَسَلَةٌ، وَجَمْعُهُ أَعْسَالٌ وَعَسَلٌ وَعُسُولٌ وَعُسْلَانٌ إذَا أَرَدْتَ أَنْوَاعَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله - فِي الْمُخْتَصَرِ تِلْوَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: وَلَا يُبَاعُ عَسَلُ نَحْلٍ بِعَسَلِ نَحْلٍ إلَّا مُصَفَّيَيْنِ مِنْ الشَّمْعِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ وَهُوَ غَيْرُ الْعَسَلِ كَانَ الْعَسَلُ بِالْعَسَلِ غَيْرَ مَعْلُومٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَا كَيْلًا. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْأُمِّ، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَمْعٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: فَعَسَلُ النَّحْلِ الْمُنْفَرِدُ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُلْوِ، وَقَالَ: فَلَا بَأْسَ بِالْعَسَلِ بِعَصِيرِ قَصَبِ السُّكَّرِ، مِنْهُ لَا يُسَمَّى عَسَلًا إلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حُلْوًا كَالْعَسَلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي عَسَلِ الطَّبَرْزَدِ. وَقَالَ: وَهُوَ مَا يَبْقَى مِنْ السُّكَّرِ ثَخِينًا كَالْعَكِرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَسَلُ الطبرزد أَنْ يُطْبَخَ السُّكَّرُ ثُمَّ يُطْرَحَ فِي إجَّانَةٍ فَإِذَا جَمَدَ أُمِيلَتْ الْإِجَّانَةُ عَلَى جَانِبِهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا الْعَسَلُ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عَسَلِ الطَّبَرْزَدِ بِعَسَلِ الْقَصَبِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَهَلْ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَجْلِ الطَّبْخِ، كَمَا فِي السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ نَارَهُ خَفِيفَةٌ.
وَحُمِلَ الْقَوْلُ فِي بَيْعِ عَسَلِ النَّحْلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بِشَمْعِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ بِيعَ بِشَمْعِهِ فَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِالصَّافِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَاعِدَةِ"مُدِّ عَجْوَةٍ"وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ وَفِيهِ الْعَظْمُ، وَبَيْنَ التَّمْرِ وَفِيهِ النَّوَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَنَّ بَقَاءَ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ بِخِلَافِ الشَّمْعِ. وَ الثاني: أَنَّ الشَّمْعَ لَهُ قِيمَةٌ، وَأَنَّ بَيْعَ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِمِثْلِهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ التَّصْفِيَةُ بِالشَّمْسِ أَوْ بِالنَّارِ، فَإِنْ صُفِّيَ بِالشَّمْسِ فَإِنْ تُرِكَ فِيهَا حَتَّى ذَابَ وَتَمَيَّزَ الشَّمْعُ مِنْ الْعَسَلِ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ النَّارُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ تَأْخُذُ مِنْهُ وَيَنْعَقِدُ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً بِحَيْثُ يَحْمِيهِ بِهَا وَيُصَفِّيهِ مِنْ غَيْرِ كَثْرَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ تُرِكَ حَتَّى انْعَقَدَتْ أَجْزَاؤُهُ وَثَخُنَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدِّبْسِ وَالزَّيْتِ وَشِبْهِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً بِحَيْثُ أُذِيبَ وَأُخِذَ أَوَّلَ مَا ذَابَ قَبْلَ أَنْ تَنْعَقِدَ أَجْزَاؤُهُ - جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ بِالْجَوَازِ: هَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ سَوَاءٌ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ.