فهرس الكتاب

الصفحة 3587 من 4102

ج / 10 ص -278- وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ، وَرَدَّ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّ السَّلَمَ امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّبَ بِدُخُولِ النَّارِ فِيهِ، وَالسَّلَمُ فِي الْمَعِيبِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْفُورَانِيُّ رَدَّ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْجَوَازُ، وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى سَائِرِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ.

وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَصْرِهِ تَمَيُّزُ الشَّمْعِ عَنْهُ، وَنَارُ التَّمْيِيزِ لَيِّنَةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِي التَّعْقِيدِ، فَأَشْبَهَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ، وَمِمَّنْ صَحَّحَ الْجَوَازَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفُورَانِيِّ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ وَالْمُصَفَّى بِالنَّارِ قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَمَا رَجَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَحَكَاهُمَا: الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي الْكِتَابِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مُنَزَّلَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ تَحْقِيقُ مَنَاطٍ، هَلْ حَصَلَ نَقْصٌ أَوْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَ الْعَسَلِ وَالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ - حَيْثُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - بِأَنَّ النَّارَ دَخَلَتْ فِي الْعَسَلِ بِالصَّلَاحِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ شَمْعِهِ فَلَمْ تَأْخُذْ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَسَلِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ السَّمْنُ، وَإِنَّمَا تَأْخُذُ النَّارُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الِانْعِقَادُ وَاجْتِمَاعُ أَجْزَائِهِ، قَالَ: حَتَّى لَوْ أَنَّ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى أُغْلِيَ بِالنَّارِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ إذَنْ لَمْ تُمَيِّزْهُ مِنْ غَيْرِهِ.

وَاعْلَمْ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِي الْمَعْرُوضِ عَلَى النَّارِ عَرْضَ عَقْدٍ وَطَبْخٍ كَاللَّحْمِ وَالدِّبْسِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَهَذَا الْقِسْمُ فِي الْمَعْرُوضِ عَلَى النَّارِ لِلتَّمْيِيزِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ الْعَسَلُ الَّذِي غَابَ شَوْبُهُ وَبَقِيَ السُّكَّرُ، وَسَيَأْتِي، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لَهُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُعْرَضَانِ عَلَى النَّارِ لِتَمْيِيزِ الْغِشِّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إذَا دَخَلَا النَّارَ لَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي حُرْمَتِهَا، نَعَمْ لَوْ خَالَطَهُمَا غِشٌّ فَأُدْخِلَا النَّارَ لِتُخَلِّصَهُ، فَقَدْ يُقَالُ بِامْتِنَاعِ بَيْعِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُؤَثِّرُ فِي إخْرَاجِهِ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِمَّا تُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِ الصِّنَاعَةِ فِي ذَلِكَ خِبْرَةً لَا تُحْرِقُهُ، وَلَا تَغْلِبُهُمْ النَّارُ عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا فِي السُّكَّرِ وَنَحْوِهِ.

قُلْت: وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَإِنْ لَمْ يُفَصِّلُوا هَذَا التَّفْصِيلَ بَلْ فِي تَصْرِيحِهِمْ بِالْعَرْضِ لِتَمَيُّزِ الْغِشِّ مَا يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ مِنْ النَّظَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ قِيلَ: إذَا صُفِّيَ الْعَسَلُ بِشَمْسِ الْحِجَازِ فَقَدْ يَكُونُ أَثَرُ الشَّمْسِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ بَالِغًا مَبْلَغَ النَّارِ، فَإِنَّا نَرَى شَرَائِحَ اللَّحْمِ تُعْرَضُ عَلَى رَمْضَاءِ الْحِجَارَةِ فَتَنِشُّ نَشِيشًا عَلَى الْجَمْرِ، قُلْنَا: هَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْبَيْعِ، وَأَنَّ أَثَرَ الشَّمْسِ فِيمَا أَظُنُّ لَا يَتَفَاوَتُ، وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ أَثَرُ النَّارِ لِاضْطِرَامِهَا وَقُوَّتِهَا وَبُعْدِهَا مِنْ الْمِرْجَلِ، وَالتَّعْوِيلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت