فهرس الكتاب
ج / 10 ص -279- عَلَى تَفَاوُتِ الْأَثَرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَغْلَى مَا عَلَى النَّارِ أَوْ خَلَّ1 ثَقِيفٍ لَمْ يَمْتَنِعَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَإِنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ بِتَعْقِيدٍ حَتَّى يَعْرِضَ فِيهَا التَّفَاوُتُ فَيُزِيلَ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى اسْتِوَاءٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ إنْ صُفِّيَ بِهَا يَعْنِي الشَّمْسَ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ الْحَرِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا صُفِّيَ بِهَا فِي الْبِلَادِ الشَّدِيدَةِ الْحَرِّ، قَالَ: مَحْكِيٌّ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
فرع: إنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بِمِثْلِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَسَلِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ؛ لِأَنَّ النَّارَ إذَا عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا أَدَّى إلَى التَّفَاضُلِ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بِمِثْلِهِ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ؟: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ يَتَقَارَبُ تَفَاوُتُهَا وَيَتَبَاعَدُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نُجَوِّزُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّارَ لَطِيفَةٌ تُمَيِّزُ وَلَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّمَاثُلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ.
التَّفْرِيعُ: حَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مُصَفًّى بِالشَّمْسِ، وَإِمَّا بِالنَّارِ اللَّطِيفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَالْعَسَلُ بِالْعَسَلِ كَيْلًا بِكَيْلٍ إنْ كَانَ يُبَاعُ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ إنْ كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَالسُّكَّرُ الْوَزْنُ فِيهِمَا أَحْوَطُ، فَالظَّاهِرُ فِي هَذَا أَنَّهُ مَوْزُونٌ وَعَدَّهُ فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ مَعَ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالسُّكَّرِ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ، فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا إلَى آخِرِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُبَاعُ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: هُوَ كَالسَّمْنِ، وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَهُمَا جَمِيعًا مَوْزُونَانِ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ حَمَلَ الرُّويَانِيُّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الصَّرْفِ عَلَى التَّوَقُّفِ فِيهِ، قَالَ: وَقِيلَ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا إذَا انْعَقَدَ بِبَرْدِ الْهَوَاءِ وَغَلُظَ لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، فَيُبَاعُ حِينَئِذٍ وَزْنًا، فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ كَيْلُهُ فَلَا يُبَاعُ إلَّا كَيْلًا، قَالَ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ. وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ مَا تَقَدَّمَ.
وَاعْتَرَضَ الْأَصْحَابُ عَلَى الْمُزَنِيِّ فِي قَوْلِهِ: لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَسَلِ، كَانَ الْعَسَلُ تَارَةً غَيْرَ مَعْلُومٍ، قَالُوا: لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَعْلُومُ الْمُفَاضَلَةِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: غَيْرَ مَعْلُومٍ. وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّعْلِيلُ فِي الشَّهْدِ بِالشَّهْدِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَا فِيهِمَا مِنْ الشَّمْعِ غَيْرُ مَعْلُومَيْ الْمُمَاثَلَةِ، قَالُوا: وَالشَّافِعِيُّ ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيلَ هُنَاكَ فَاشْتَبَهَتْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى. وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ أَحَدِ الْوُجُوهِ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ مِعْيَارُهُ، يَعْنِي الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِالتَّخَيُّرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ دَاوُد لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ: فِيهِ كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ كَيْلًا تَارَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل في ش و ق (ط) .