فهرس الكتاب

الصفحة 3589 من 4102

ج / 10 ص -280- وَوَزْنًا أُخْرَى، قَالَ: وَهَذَا غَرِيبٌ قَلَّمَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ. قُلْت: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ بَلْ الْمُرَادُ التَّوَقُّفُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: عَسَلُ الرُّطَبِ وَهُوَ رُبٌّ يَسِيلُ مِنْهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْكَيْلِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا، وَجُزَافًا، يَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ بِالدِّبْسِ.

قَالَ الْمُصَنِّف - رحمه الله تعالى:"وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ السُّكَّرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ عَقَدَتْ أَجْزَاءَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَارَهُ لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ، وَإِنَّمَا تُمَيِّزُهُ مِنْ الْقَصَبِ".

الشرح: الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ وَجَعَلَهُمَا الرَّافِعِيُّ كَالدِّبْسِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُ الْمَنْعُ فِي السُّكَّرِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَرْغِيَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوَى النِّهَايَةِ بِالْبُطْلَانِ فِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيذِ وَالْعَسَلِ الْمُمَيَّزِ بِالنَّارِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَذَلِكَ قِيَاسُ جَزْمِ الْعِرَاقِيِّينَ بِمَنْعِ السَّلَمِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ بَابَ الرِّبَا أَحْوَطُ مِنْ بَابِ السَّلَمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِأَجْلِ طَلَبِ الْمُمَاثَلَةِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ فِي السُّكَّرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ إيرَادُ الْجُرْجَانِيِّ، وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْ سُلَيْمٍ أَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ فِي التَّعْلِيقِ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَتْ لِلتَّصْفِيَةِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ، وَإِنْ دَخَلَتْ لِعَقْدِ الْأَجْزَاءِ لَمْ يَجُزْ.

واعلم: أَنَّهُ قَدْ يُسْتَشْكَلُ قَوْلُ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ: إنَّ نَارَ السُّكَّرِ لَيِّنَةٌ لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ وَإِنَّمَا تُمَيِّزُهُ مِنْ الْقَصَبِ، وَالسُّكَّرُ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ مِنْ الْقَصَبِ بِالْعُودِ الَّذِي يُعْصَرُ بِهِ، فَإِذَا وَقَعَ أَحَدُ الْعُودَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَانْعَصَرَ الْقَصَبُ تَمَيَّزَ، وَفِي بَعْضِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى الْمُهَذَّبِ تَأْوِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِي السُّكَّرِ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَصَبِ، وَيَكْثُرُ ذَلِكَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى اسْتِخْرَاجِهِ، فَإِذَا أُغْلِيَ بِالنَّارِ سَهُلَ إخْرَاجُهُ، فَإِنَّ مَا يَبْقَى مِنْ أَجْزَاءِ الْقَصَبِ يَعْلُو عَلَى السُّكَّرِ عِنْدَ الْغَلَيَانِ وَيَسْهُلُ اسْتِخْرَاجُهُ، فَهَذَا مَعْنَى التَّمْيِيزِ الَّذِي قَصَدُوهُ. وَعَلَّلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْجَوَازَ بِأَنَّ لِدُخُولِ النَّارِ فِيهِ حَدًّا وَنِهَايَةً، وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الِانْعِقَادَ مِنْ طِبَاعِ السُّكَّرِ كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ فِي السُّكَّرِ وَالْفَانِيذِ: إنْ أُلْقِيَ فِيهِمَا مَاءٌ أَوْ لَبَنٌ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَإِلَّا فَيُنْظَرُ، فَإِنْ دَخَلَتْ النَّارُ فِيهِمَا لِتَصْفِيَتِهِمَا وَتَمْيِيزِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا جَازَ، وَإِنْ دَخَلَتْ لِاجْتِمَاعِ أَجْزَائِهِ وَانْعِقَادِهَا فَلَا.

قُلْت: أَمَّا تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ أَوْ لَبَنٌ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بَيْعُ السُّكَّرِ وَغَيْرِهِ بِمِثْلِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السُّكَّرَ لَا بُدَّ مِنْ إذَابَةِ أَصْلِهِ بِالْمَاءِ لِيَحِلَّ ثُمَّ يُطْبَخَ، وَنَصُبُّ عَلَيْهِ بَعْدَ غَلَيَانِهِ اللَّبَنَ لِيُبَيِّضَهُ وَيُزِيلَ وَسَخَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعَ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَلَى طَرِيقِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت