فهرس الكتاب

الصفحة 3592 من 4102

ج / 10 ص -283- الْخَاصِّ، وَقُرْبِ الطِّبَاعِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، الْفَانِيذِ قَدْ يُجْعَلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّقِيقِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا: هُوَ وَالسُّكَّرُ جِنْسَانِ لَمْ يَضُرَّ وإن قلنا: جِنْسٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالسُّكَّرِ إنْ لَمْ يُنْظَرْ إلَى تَأْثِيرِ النَّارِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَقَالَ: وَمَعَ تَفَاوُتِ النَّارِ فِي الْقَنْدِ وَالسُّكَّرِ الْفَانِيذِ لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ. يَعْنِي الْغَزَالِيَّ فَرْقًا بَيْنَهُمَا. كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي السُّكَّرِ، بَلْ جَوَّزُوهُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى رَأْيٍ مُرَجَّحٍ فِي الْحَاوِي، وَمَمْنُوعٌ عَلَى وَجْهٍ جَزَمَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ فَوَجْهُ التَّسْوِيَةِ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ لِلنَّارِ فِي ذَلِكَ حَدًّا بِحَسَبِ الْعُرْفِ، فَأُحِيلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُقَالُ: الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي النَّارِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الدِّبْسِ، وَقَدْ قَطَعَ فَرِيقٌ فِيهِ بِالْمَنْعِ وَإِنْ حُكِيَ الْخِلَافُ فِي السُّكَّرِ وَنَحْوِهِ فَمَا الْفَرْقُ؟ وَيُقَالُ فِيهِ: إنَّ زِيَادَةَ النَّارِ فِي السُّكَّرِ وَنَحْوِهِ تُفْسِدُهُ فَيُحْتَرَزُ مِنْهَا، وَزِيَادَتُهَا فِي الدِّبْسِ وَنَحْوِهِ تُصْلِحُهُ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.

قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنِّي رَأَيْتُ حِكَايَةً عَنْ الْأَمَالِي أَنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ فِي الشَّيْءِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِهَايَةٌ كَالدِّبْسِ فَكُلَّمَا كَثُرَ النَّارُ كَانَ أَجْوَدَ، وَلَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ إلَى أَنْ يَتَلَابَسَ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، لِأَنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ فِي تَنْقِيصِ رُطُوبَتِهِ تَتَفَاوَتُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِهَايَةٌ كَالسُّكَّرِ الْفَانِيذِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قلت: هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ الْأَمَالِي، وَذِكْرُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا لَمْ أَفْهَمْهُ، وَلَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه ذِكْرُ وَجْهَيْنِ، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمَالِيَ السَّرَخْسِيِّ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ بِدَقِيقِهِ مُتَفَاضِلًا، لِأَنَّ الدَّقِيقَ هُوَ الْحَبُّ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا فُرِّقَتْ أَجْزَاؤُهُ فَهُوَ كَالدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ بِالْقِرَاضَةِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ بِهِ مُتَمَاثِلًا فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَجُوزُ فَجَعَلَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا قَوْلًا آخَرَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَعَلَّ الْكَرَابِيسِيَّ أَرَادَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَالِكًا أَوْ أَحْمَدَ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ رِبَا بَيْعٍ مِنْهُ: مَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ عَلَى وَجْهٍ يَتَفَاضَلَانِ فِي حَالِ الِادِّخَارِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ"

الشَّرْحُ: الْكَرَابِيسِيُّ هُوَ: أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعِرَاقِ، وَكَانَ عَالِمًا فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا كِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَلِّسِينَ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ1 الطَّحَاوِيُّ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ أَبِي جَعْفَرٍ، تُوُفِّيَ الْكَرَابِيسِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ زَكَاةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 أبو جعفر الطحاوي من كبار أصحاب أبي حنيفة ومجتهدي مذهبه وقد كان الكرابيسي من أصحاب أبي حنيفة قبل أن يتخرج بالشافعي ويسمع الحديث كما سمع من زيد بن هارون وإسحاق الأزرق ويعقوب بن إبراهيم وقد أجاز الشافعي كتب الزعفراني له. قال الخطيب البغدادي: حديث الكرابيسي يغر جدا وذلك أن أحمد بن حنبل كان يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ وهو أيضا كان يتكلم في أحمد فتجنب الناس الأخذ عنه لهذا السبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت