فهرس الكتاب
ج / 10 ص -286- الْأَصْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ الصَّنْعَةُ فِيهِ كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ إلَى دَنَانِيرَ فَجَعَلَهَا طَسْتًا أَوْ حُلِيًّا، مَا كَانَ لَمْ يَجُزْ بِالدَّنَانِيرِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَكَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ إلَى تَمْرٍ فَحَشَاهُ فِي شَنٍّ أَوْ جَرَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا نَزَعَ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُبَاعَ بِالتَّمْرِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ حِنْطَةٌ بِدَقِيقٍ وَكَذَلِكَ حِنْطَةٌ بِسَوِيقٍ أَوْ بِخُبْزٍ أَوْ بِفَالُوذَجٍ إذَا كَانَ نَشَاهُ مُشْتَقَّةً مِنْ حِنْطَةٍ وَكَذَلِكَ دُهْنُ سِمْسِمٍ بِسِمْسِمٍ وَزَيْتٌ بِزَيْتُونٍ وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ التَّمْرُ الْمَنْثُورُ بِالتَّمْرِ الْمَكْبُوسِ لِأَنَّ أَصْلَ التَّمْرِ الْكَيْلُ"ا هـ. ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي تَمْرٍ قَدْ عُصِرَ وَأُخْرِجَ صَفْوُهُ بِتَمْرٍ لَمْ يَخْرُجْ صَفْوُهُ كَيْلًا بِكَيْلٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِذَا لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ خِلْقَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ."
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ بِالسَّوِيقِ وَالدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ رِبًا فَهُوَ رِيبَةٌ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ فِي مَنْعِهِمْ الْقَمْحَ بِالدَّقِيقِ الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا جَعَلْنَا امْتِنَاعَ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُعَلَّلًا، أَمَّا إذَا جَعَلْنَا طَرِيقَ ذَلِكَ الِاتِّبَاعِ وَالْبُعْدِ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ، وَرَوَى الْمُزَنِيّ عَنْهُ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ أَوْمَأَ فِي الْبُوَيْطِيِّ لِأَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَتَفَاضَلَانِ فِي الثَّانِي، فَجَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ جَهِلَ التَّسَاوِيَ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ جُزَافًا".
الشرح: الْمُرَادُ هَهُنَا أَيْضًا إذَا كَانَ الدَّقِيقَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَدَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ، وَدَقِيقِ الشَّعِيرِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ، فَبَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَا نَاعِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا نَاعِمًا وَالْآخَرُ خَشِنًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ مُقَابِلَهُ خَطَأٌ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا كَالْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْعِ الْحِنْطَةِ الصَّغِيرَةِ الْحَبَّاتِ بِالْحِنْطَةِ الْكَبِيرَةِ الْحَبَّاتِ بِأَنَّ أَجْزَاءَ الْحَبِّ ثَمَّ مُجْتَمَعَةٌ، وَرِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ فِي الْمَنْثُورِ مَشْهُورَةٌ نَقَلَهَا الْأَصْحَابُ كَافَّةً عَنْ الْمُزَنِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْثُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُ وَعَنْ نَقْلِ حَرْمَلَةَ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَا أَوْمَأَ إلَيْهِ الْبُوَيْطِيُّ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ بِأَصْلِهِ مُتَفَاضِلًا، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا، وَيُفْهَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ مُتَمَاثِلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا بِسَطْرٍ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ دَقِيقٌ بِقَمْحٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا النَّصَّ الَّذِي فِي الْبُوَيْطِيِّ فَصَحِيحٌ أَنَّهُ يُومِئُ إلَى بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ، لَكِنْ يُومِئُ أَيْضًا إلَى بَيْعِهِ بِالْقَمْحِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ حَكَاهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ إيمَاءٌ فَلَعَلَّهُ فِي مَكَان آخَرَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ كُلُّهُمْ نَقَلُوهُ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ، وَقَاسَهُ الرَّافِعِيُّ