فهرس الكتاب
ج / 10 ص -290- الْمَذْهَبِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ الْكَيْلُ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ فِيهِ. وَافَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ. وَمِمَّنْ وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَنَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَحَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ. وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَيِّنًا وَالْآخَرُ يَابِسًا لَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْبُلْغَةِ وَالشَّافِي، وَلَكَ أَنْ تُدْرِجَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رحمه الله تعالى فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْمَنْعَ فِي الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْجَافَّيْنِ خَاصَّةً كَمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ مَا سِوَى ذَلِكَ مُنْدَرِجًا فِي كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ مُتَمَاثِلَيْنِ، لِأَنَّ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهِمَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا، فَصَارَ كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِالتَّفَاوُتِ فِي حَالِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخُبْزِ بِخِلَافِ اللَّبَنِ، وَلَوْ كَانَ الْخُبْزَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ يَدًا بِيَدٍ؛ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي، وَلَمْ يُلَاحِظَا مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ لِاسْتِهْلَاكِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صُورَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ الْمُمْتَنِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَبَّاتٌ مِنْ الْآخَرِ لَا تُقْصَدُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُؤَثِّرًا فِي التَّمَاثُلِ، وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْأَصَحَّ الصِّحَّةُ وَلَا مُبَالَاةَ بِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِمَا، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي لَا وَجْهَ لَهُ، وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ، كَمَا فِي الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ إذَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَيْءٌ لَا يُقْصَدُ مِنْ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ جُفِّفَ الْخُبْزُ وَجُعِلَ فَتِيتًا وَبِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا فِي حَالِ الْكَمَالِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ والثاني: أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ، فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَالتَّمْرِ".
الشرح: الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَحَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ قَوْلُ الْمَنْعِ إلَى نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ، وَعَزَاهُ الْمَحَامِلِيُّ إلَى الْأُمِّ، وَعَزَاهُ الرُّويَانِيُّ إلَى عَامَّةِ كُتُبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْجَوَازِ فَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ عَنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ وَآخَرُونَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ مِقْلَاصٍ.
قلت: وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الْقَدِيمِ وَفَرَضَهُ فِي الْكَعْكِ الْمَدْقُوقِ بِالْكَعْكِ الْمَدْقُوقِ وَقَالَ: وَلَعَلَّهُ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُ أَغْلَبُ قُوتِهِمْ وَزَادِهِمْ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ هَذِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الرِّوَايَةِ الْمَنْسُوبَةِ لِحَرْمَلَةَ وَلَا يَلْزَمُ طَرْدُهَا فِي الْحَبِّ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَلَا فِي غَيْرِ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حَرْمَلَةَ وَنَقْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ لَهَا عَنْ ابْنِ مِقْلَاصٍ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ مِقْلَاصٍ هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مِقْلَاصٍ فَلَا تَنَافِيَ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يُدْرِكْ الشَّافِعِيَّ، فَلَعَلَّهُ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ حَرْمَلَةَ، هَذَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِابْنِ مِقْلَاصٍ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ