فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 4102

ج / 1 ص -229- فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُذُنَيْنِ .

مَذْهَبُنَا أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ وَلَا مِنْ الرَّأْسِ بَلْ عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ يُسَنُّ مَسْحُهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا يَجِبُ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ مِنْ السَّلَفِ حَكَوْهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَيُغْسَلَانِ مَعَهُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَبِهِ قَالَ عَطَّاءُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ يَأْخُذُ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا أَمْ يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ ؟. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ يُغْسَلُ مَعَهُ، وَمَا أَدْبَرَ فَمِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحُ مَعَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاخْتَارَهُ إسْحَاقُ.

وَاحْتَجَّ لِمَنْ قَالَ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ"فَأَضَافَ السَّمْعَ إلَى الْوَجْهِ كَمَا أَضَافَ إلَيْهِ الْبَصَرَ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ} [الأعراف:7] وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْأُذُنُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ رَأْسَهُ وَقَالَ بِالْوُسْطَيَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ فِي بَاطِنِ أُذُنَيْهِ وَالْإِبْهَامَيْنِ مِنْ وَرَاءِ أُذُنَيْهِ".

وَاحْتُجَّ لِلشَّعْبِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه:"أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمُؤَخَّرَ أُذُنَيْهِ"وَلِأَنَّ الْوَجْهَ مَا حَصَلَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِمَا أَقْبَلَ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ: أَحْسَنُهَا حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِه1ِ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الرَّأْسِ إذْ لَوْ كَانَتَا مِنْهُ لَمَا أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَخْذِ مَاءٍ جَدِيدٍ فَيُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَنْ قَالَ: يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ، فَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الدَّلَالَةَ لِلْمَذْهَبِ وَالرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ. وَاحْتَجُّوا عَلَى مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُهُمَا وَلَمْ يُنْقَلْ غَسْلُهُمَا مَعَ كَثْرَةِ رُوَاةِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ، وَلِأَنَّ"الإجماع"مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَا يَلْزَمُهُ مَسْحُهُمَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلِأَنَّ الْأَصْمَعِيَّ وَالْمُفَضَّلَ بْنَ سَلِمَةَ قَالَا: الْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا إمَامَانِ مِنْ أَجَلِّ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَالْمَرْجِعُ فِي اللُّغَةِ إلَى نَقْلِ أَهْلِهَا.

وَاحْتَجُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: هُمَا مِنْ الرَّأْسِ بِأَنَّ"الإجماع"مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ أَجْزَائِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ قَصَّرَ الْمُحْرِمُ مِنْ شَعْرِهِمَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ تَقْصِيرِ الرَّأْسِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني أما راوي حديث الأذان فهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأيصاري الأوسي"ط"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت