ج / 1 ص -230- بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يُخَالِفُ الرَّأْسَ خِلْقَةً وَسَمْتًا فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَالْخَدِّ، وَقَوْلُنَا:"وَسَمْتًا"احْتِرَازٌ مِنْ النَّزَعَةِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ: وَلِأَنَّ"الإجماع"مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ الدَّائِرَ حَوْلَ الْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ قُرْبِهِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُذُنِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الرَّأْسِ سِوَى الْمَسْحِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْمَسْحِ حُكْمُ الرَّأْسِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الزُّهْرِيِّ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْجُمْلَةُ وَالذَّاتُ كَقَوْلِهِ تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] ، الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ السُّجُودَ حَاصِلٌ بِأَعْضَاءٍ أُخَرَ. الثاني: أَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى مَا يُقَارِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ لِلْآيَةِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا فَلَا يُقْبَلُ، وَالْمُفَسِّرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ الرَّأْسُ، وَقِيلَ: الْأُذُنُ، وَقِيلَ: الذُّؤَابَةُ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهَا، مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ تَضْعِيفُهَا إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا ادَّعُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الرَّأْسِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا: كَأَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ مِنْ كُلِّ يَدٍ أُصْبُعَيْنِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ مَسَحَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الشَّعْبِيِّ بِفِعْلِ عَلِيٍّ فَمِنْ أَوْجُهٍ: أحدها: أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تُعْرَفُ. والثاني: لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مُقَدَّمِ الْأُذُنِ وَمُؤَخَّرِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ الرَّأْسَ فَانْمَسَحَ مُؤَخَّرُ الْأُذُنِ مَعَهُ ضِمْنًا لَا مَقْصُودًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إلَّا بِذَلِكَ. الرابع: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَتَعَذَّرَ تَأْوِيلُهُ كَانَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ تُطَهَّرَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهِمَا عَلَى الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ: أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا فَطَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا نَقَلَ"الإجماع"غَيْرُهُ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ. مَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَمْدًا لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ الشِّيعَةَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ تَبَرَّعْنَا بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ سُنَّةً لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: حَكَى صَاحِبُ"الحاوي"وَالْمُسْتَظْهَرَيْ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ - رحمه الله أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ ثَلَاثًا مَعَ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ كَمَا قَالَ الْآخَرُونَ، وَيَمْسَحُهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ ثَلَاثًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ سُرَيْجٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَاجِبًا بَلْ