فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 4102

ج / 1 ص -231- احْتِيَاطًا لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ يَخْرُجْ ابْنُ سُرَيْجٍ بِهَذَا مِنْ الْخِلَافِ بَلْ زَادَ فِيهِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَمِيعِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، بَلْ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا وَاحْتِيَاطًا كَمَا سَبَقَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ بِ"الإجماع"بَلْ مَحْبُوبٌ. وَكَمْ مِنْ مَوْضِعٍ مِثْلِ هَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ أَشْيَاءَ لَا يَقُولُ بِإِيجَابِهَا كُلِّهَا أَحَدٌ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ رحمهم الله قَالُوا: يُسْتَحَبُّ غَسْلُ النَّزَعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَهُمَا مِمَّا يُمْسَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إذْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ، وَاسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ مَأْمُورٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَبُّوا غَسْلَهُمَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: هُمَا مِنْ الْوَجْهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا. وَمَعَ هَذَا اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، فَالصَّوَابُ اسْتِحْسَانُ فِعْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ - رحمه الله وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَهُوَ فَرْضٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ:"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا تَوَضَّأْنَا أَنْ نَغْسِلَ أَرْجُلَنَا"."

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى::، وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعَ عَشَرَةَ غَزْوَةً، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً رضي الله عنه.

أَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَمْ يُخَالِفْ، فِي ذَلِكَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَغَيْرُهُ، وَقَالَتْ الشِّيعَةُ الْوَاجِبُ مَسْحُهُمَا، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْجُبَّائِيُّ الْمُعْتَزِلِيِّ وَأَوْجَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ جَمِيعًا، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ} [المائدة:6] بِالْجَرِّ عَلَى إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي السَّبْعِ، فَعَطَفَ الْمَمْسُوحَ عَلَى الْمَمْسُوحِ، وَجَعَلَ الْأَعْضَاءَ أَرْبَعَةً، قِسْمَيْنِ مَغْسُولَيْنِ ثُمَّ مَمْسُوحَيْنِ، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ تعالى: بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَقَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ} قَرَأَهَا جَرًّا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا هُمَا غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ. وَعَنْهُ أَمَرَ اللَّهُ بِالْمَسْحِ وَيَأْبَى النَّاسُ إلَّا الْغَسْلَ وَعَنْ رِفَاعَةَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"إنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تعالى، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ"وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا نَعْلُهُ ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ فَكَانَ فَرْضُهُ الْمَسْحَ كَالرَّأْسِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ: مِنْهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت